98
وبالإضافة إلى أسماء الأعلام ذكر لفظ «يونان» عشرات المرات خاصة في المناظرة بين اللغة العربية والمنطق اليوناني وصفا للشعب والمنطق واللغة.
99
فاليونان قوم مثل الفرس. وكلاهما من العجم أي غير العرب أي الوافد من أجل إثبات خصوصية الشعوب وإبداع كل منها وعدم حصر الإبداع في شعب واحد هو اليونان. لكل شعب إبداعه، إبداع العرب في اللغة، وإبداع اليونان في المنطق، وإبداع الفرس في السياسة. وقد تصل التبعية الحضارية إلى حد جعل كل فرح وحزن من بركات يونان، وكل حيوان من أرض يونان. ولو تدارس كل شعب لاستغنى عن منطق اليونان ولغة اليونان. بل إن واضع المنطق ربما يكون قد أخذه ممن سبقه كما أخذ منه من أتى بعده. المنطق اليوناني مرتبط باللغة اليونانية. فاللغة أساس المنطق مما يجعل اللغة العربية منطقا خاصا بالعرب. وكيف تستطيع باقي الشعوب العرب، والفرس، والهند النظر في منطق يوناني مرتبط باللغة اليونانية؟ ولا يمكن تعلم المنطق إلا بعد تعلم اللغة اليونانية. فالدعوة إلى المنطق دون تعلم اللغة اليونانية مستحيلة. وقد قدمت اللغة اليونانية، وانتقلت إلى السريانية ثم إلى العربية، ولم يبق إلا المعاني. وليست اللغة العربية مجرد النحو يضاف عليه منطق اليونان، بل هو منطق أيضا. والمعاني ليست يونانية أو هندية أو فارسية أو تركية أو عربية.
100
ولم تذكر ديانات أو الشرائع اليونان أو تقتبس شيئا منهم، ولم يتعرض لهم موسى وعيسى وإبراهيم وداود وسليمان وزكريا ويحيى حتى محمد. والعجيب أن يكون هذا رأي أبي سليمان المنطقي من تلاميذ يحيى بن عدي وقرأ عليه كتب اليونان. وليس ليونان نبي ولا رسول، بل لهم حكماء وملوك. بل إن الإسكندر نفسه لم يقل إنه نبي أو تابع لنبي. كانت لهم شرائع قدمت وأبلاها الزمان فجددوها طبقا لتغير المصالح وكأنهم مجتهدون. والحقيقة أن عدم إشارة الوحي إلى اليونان أنه خاطب بني إسرائيل أو العرب، ولم يكونوا على علم باليونان. خاطبهم الوحي بما يعرفون، دين إبراهيم، وأنبياء بني إسرائيل. كما أنه ليس من المستبعد أن يكون لليونان أنبياء مثل سقراط وأفلاطون وفيثاغورس وأرفيوس وأرسطو والإسكندر
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير . وبالرغم من وجود بعض الألفاظ اليونانية المعربة مثل الكيموس والموسيقا والسوفسطائي والماليخوليا والقنطوريا توجد بعض ألفاظ أخرى بين اليونانية والفارسية مثل السكنجبين والكوسج. فقد أصبحت الأسماء المعربة يونانية أو فارسية جزءا من اللغة العربية والحضارة الإسلامية. كما تظهر بعض الأسماء الفارسية مقابل اليونانية مما يدل على حضور الجناح الشرقي للتراث الإسلامي قدر حضور الجناح الغربي.
101
وتذكر ألفاظ الحكيم والحكماء والفيلسوف والفلاسفة على العموم وليس على الخصوص، تدل على الموروث والوافد على السواء وليس على الوافد وحده. أقوال الحكماء بسيطة موجزة، ومع ذلك قد تحتاج إلى بعض البسط مثل قول بعض الحكماء إن التمني فضل حركة النفس، وهو جواب رشيق في حاجة إلى بسط ، لذلك كان الحكماء أقرب إلى الصمت منهم إلى الكلام مثل الصوفية. والحكماء جماعة يخرج بعضهم من بعض بصرف النظر عن حضاراتهم وشعوبهم، وقد روي حبيب عن بعض الحكماء أن أمراض النفس مثل أمراض البدن إلا أن أمراض النفس تؤدي إلى الشر. لذلك نصح الحكماء بإصلاح النفوس؛ وذلك بالابتعاد عن الدنيا والزهد فيها، ومعرفة الفرق بين الخير والشر وما تشابه بينهما. ويمكن الاستفادة في ذلك من طباع الحيوان، سرعة قضاء حوائج الخنزير، ونصح الكلب لأهله، ولطف الهرة عند المساءلة. وإذا كان الإنسان مدنيا بالطبع فإن المدن تبنى على الماء والرعي والمحتطب والحصانة. والحذر من العامة واجب. فلا يجب سبها لأنها تخرج الغريق، وتطفئ الحريق، وتؤنس الطريق، وتشهد السوق، وإن لم تكن أهل حكمة، والحكماء ليسوا قصرا على اليونان بل عند الفرس والمسلمين. فأبو الحسن العامري حكيم، وهناك حكماء فارس، ومن أقوالهم، الملك السمح الجواد تجود به السماء والأرض، والملك البخيل تنحل به السماء والأرض. قد يشير اللفظ إلى صوفية المسلمين لا فلاسفة اليونان. ليس اللفظ وقفا على اليونان خاصة وأنه لفظ قرآني، بل إن الأقوال المروية من الحكماء يمكن نقدها بعد عرضها على العقل. وقد اتفق الحكماء على أن الروح جسم لطيف منبت في الجسد أما النفس الناطقة فهي جوهر إلهي، ليست في الجسد بل مدبرة له. الروح أقرب إلى حياة البدن في حين أن النفس أقرب إلى حياة العقل على عكس اليونان والعبرانيين الذين جعلوا النفس أقرب إلى البدن والروح أقرب إلى العقل.