تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتلك الأيام نداولها بين الناس . ويروى عن جالينوس حكيما لا طبيبا. فجالينوس الأخلاقي أفضل من بقراط الطبيب طبقا لنفس النموذج، الرواية من الموروث للوافد الذي أصبح موروثا في صيغة موعظة موجهة للمخاطب ضد المفاسد الأخلاقية للعصر مثل حب الذات والعجب بها وهو رذيلة في حين أن حب الناس لها فضيلة. ويذكر قول موريس رواية عن عيسى بن زرعة يؤكد على التعددية في الفكر والرأي والمنهج، ويستنكر إجبار الناس على رأي واحد ومنهج واحد. ويتم التعليق عليه بضرورة التعددية حتى ولو كان هناك ملك يأمر وينهى والناس تسمع له وتطيع مع إنه لا بد من التعاون والمعارضة للرأي بالرأي حتى يكون التصالح والتشاور بين العالم والمتعلم والأمر والمأمور، ولا يهم شخص مورس بل المهم التعبير عن روح الموروث

ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة

على لسان الوافد.

94

ويروى قول لأبوقراط لا فرق بين طب وفلسفة، بين طب الأبدان وطب النفوس؛ فكلاهما حكمة. وطب بقراط يجمع بينهما. فلطافة القلب في الأبدان مثل لطافة الناظر في الأجفان. آفة القلب الغم والهم، الأول يؤدي إلى النوم والثاني إلى السهر. ويضرب المثل بالإسكندر في الفعل الرشيد والقول السديد؛ فهو مقياس للمقارنة وليس مجرد معلومات وافدة مخزونة. فهو الملك الفيلسوف، تلميذ أرسطو، ولا يعقل أن يكون هو النبي وأستاذه ليس كذلك. كما أن الإنسان هو المسئول عن ذم الناس أو مدحهم له، وقوته على مكافأة من أحسن إليه بإحسان أعظم في صيغة حوار بين الإسكندر وندمائه.

95

وتذكر عدة أسماء أخرى أقل شهرة مثل مقاريوس (مكاريوس) ومنقاروس من أجل صياغة حكاية متعددة الشخصيات تقوم على الحوار الثنائي وليس قولا منفردا. كان مقاريوس في حاجة، ومر بزيموس وقد تعلق به رجل يطالب بمال أخذه منه متظاهرا بالزهد والنسك وباطنه سقيم. وقد أخذ المال ووعده بالذهب، والإنسان لا يقدر إلا على قدر الوسع، والإنسان الذي يختلف عن المعدن كالمعدن. فكما يلفظ المعدن الذهب فإن الإنسان يبتلع الذهب. ويتم اختيار الأقوال الموافقة لروح الموروث ونسبتها إلى بعض أعلام الوافد مثل إسقلبيوس في ضرورة اجتماع الهمة مع القدر. ويذكر قول ثيومورس في زهد المال الذي يحضره البخت، ويحفظه اللؤم، وتبدده النفقة، وإن قل يحضر الهم، وإن كثر تقاسمه الناس. يجلب الحسد من ليس عنده، والخداع من يطمع فيه. وقد يكون في اسم «هبة الله» دلالة. وربما لم تقع الحادثة، ولا يوجد شخص بهذا الاسم، وإن وجد فليس حكيما زاهدا. وإذا كان فإنه لم يقل هذا القول، مما يدل على الإبداع الحضاري بناء على تعامل الموروث مع الوافد. ويذكر قول صولون، العلم صغير كما كبير كيفا. ويشرحه أبو سليمان ليس بطريقة الشراح بل يبين إمكانيات المعنى، حسن استعمال القليل في إيتاء النفع والغاية المحمودة والأثر الباقي.

96

وقد يتكرر نفس القول على لسان أكثر من شخصية وافدة مما يدل على الانتحال. فليس المقصود هو الحامل بل المحمول، المثل بل الممثول، الشخص بل الفكرة.

97

فقد تكررت على لسان أسطفانس أن الصديق هو الذي يقضي حاجة الصديق قبل طلبها. وقد تكرر القول من قبل على لسان تيفابون. ويذكر قول طيماثاوس عن عدم الإساءة للناس بالفعل لا بالقول. ويذكر قول غالوس عن وجهة الاهتمام بما لا منفعة فيه أو منفعة قليلة أو منقطعة وكأنه أصبح معروفا في الثقافة العامة وأصبح وافدا موروثا. ويذكر الوافد وكأنه معروف، جزء من الثقافة الشعبية في هيئة حكم ومواعظ كما قال آربوس في أن الولاية تظهر بالوالي، ولا يظهر الوالي بالولاية في صيغة سؤال وجواب، وهو الشكل الأدبي للموروث. ويذكر أبو سليمان حكاية ثيودوسيوس ملك اليونان إلى كنتس الشاعر عندما يطلب منه كتبا في الفلسفة، فجمعها له الشاعر إلا أن قطاع الطريق قتلوه، وطلب من الكراكي في السماء الانتقام. وفي الهيكل أتت الكراكي في الهواء تصيح للانتقام فسمع البعض ذلك فأخبر السلطان. فتم تركيب الوافد على الموروث والحضارة اليونانية على الحضارة الإسلامية دون تحرج من ذكر الأساطير أو إسقاطها ووضع حكاية عربية محلها. كان أبو سليمان على علم بالوافد ويصبه في الموروث.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤٩