والمعلومات الأول في كل جنس من الموجودات فيه الأحوال والشروط التي تؤدي إلى الحق اليقيني، تكون مبادئ التعليم له . وإذا كانت للأنواع التي يحتوي عليها الجنس تكون مبادئ الوجود. فمبادئ التعليم هي نفسها مبادئ الوجود، وكأن الفارابي هنا يوحد بين الاثنين. وتسمى براهين تلك المعلومات براهين «لم» الشيء إذا كانت تعطي أسباب العلم بالإضافة إلى «هل» الشيء موجود. وتكون مبادئ العلم هي مبادئ الوجود. فإن لم تكن أسبابا له تمايزت مبادئ العلم عن مبادئ الوجود، وتكون البراهين حول «هل» و«أن» وليس براهين «لم» الشيء. فالسبب هو الذي يوحد بين المعرفة والوجود وكان الفارابي هنا يضع أسس التفكير العلمي.
ومبادئ الوجود هي العلل الأربعة: ماذا وهي العلة المادية، بماذا وهي العلة الفاعلة، كيف وهي العلة الصورية، ولماذا وهي العلة الغائية. ومن أجناس الوجود ما يمتنع أن تكون له مبادئ علمه فقط وكأن الله هو الموجود الوحيد الذي لا تتوحد مبادئ العلم فيه مع موضوع العلم. ومن الموجودات ما تكون له العلل الأربعة كلها، ومنها ما تكون له ثلاثة فقط دون المادة. فمبادئ الوجود ثلاثة على الأقل الصورية والفاعلة والغائية من أجل ضم الموجودات العقلية.
وكل علم يهدف إلى أن يجعل الموجودات معقولة تقصد أولا اليقين بوجود جميع ما يحتوي عليه الجنس، ويهدف إلى علم مبادئ الوجود إذا كانت البداية مبادئ التعليم ثم اليقين بمبادئ الوجود وعددها، مثل الأسباب الأربعة، كلها أو بعضها، ثم مبادئ المبادئ حتى الانتهاء إلى أبعد مبدأ لهذا الجنس وهو المبدأ الأقصى دون تخطيه إلى مبدأ جنس آخر. فإذا كانت مبادئ العلم هي مبادئ الوجود كانت علله. وإن لم تكن كذلك كانت فيها خفية غير معلومة متأخرة عن مبادئ الوجود. فالوجود عند الفارابي سابق على المعرفة.
ويؤدي هذا الترتيب إلى لزم النتيجة من المقدمات، المقدمات مبادئ التعليم والنتيجة مبادئ الموجودات. الأولى أسباب العلم بالثانية والثانية أسباب لوجود الأشياء في الخارج على النحو الآتي:
فترتقي المعرفة من الموجودات إلى مبادئ الموجودات إلى مبادئ العلوم. وبالرغم من أن الجدل صاعد من المحسوس إلى المعقول إلا أن الموجودات متأخرة عن المبادئ، والمبادئ أقدم من الموجودات في الجدل النازل. ومبدأ المبادئ أقدمها جميعا الذي يكشف عن مبادئ مجهولة أدنى منه وتنبع منه ويمكن معرفتها منه استنباطا. فالمعرفة صاعدة من الموجودات إلى المبادئ، ونازلة من مبدأ المبادئ إلى المبادئ الأدنى، وهو العلم بالمبادئ الأربعة؛ فهو علم استقرائي واستنباطي في نفس الوقت، وكذلك العلم بالواحد والكثير. فإذا كان العلم هو استنباط المجهول من المعلوم؛ فإن هذا الاستنباط يكون استقراء حين يكون المجهول مبادئ الموجود والمعلوم الموجودات أو استقراء عندما يكون المجهول مبادئ الموجود والمعلوم مبدأ المبادئ، المبدأ الأقصى. وقد يعطي المبدأ الأول علما بمبدأ آخر أقدم منه. فيعطي علما بوجوده وبسبب وجوده.
وأول أجناس الموجودات هو الأبعد عن الحيرة والاضطراب في الذهن وهي الرياضيات، الأعداد والأعظام؛ إذ تعطي الأعداد التقدير، وكيفية التقدير في الأعظام التي تعطي الأشكال والأوضاع وجودة الترتيب وإتقان التأليف وحسن النظام. ويكون ترتيب علوم التعاليم كالآتي:
وفي الرياضيات تكون مبادئ التعليم هي نفسها مبادئ الوجود. وتجمع براهينها بين الاثنين. وتقتصر على المبادئ الثلاثة؛ لأنها خالية من المادة. ويتم الانتقال من هذه العلوم نزولا من الأعداد إلى الحيل؛ لأن العدد هو أصل العلوم، وهو ما يتفق مع ما عرضه الفارابي من قبل في «إحصاء العلوم» مما يدل على أن العرض يقوم على التأليف. ويسمى هذا النزول الارتقاء، أي التقدم من الأصل إلى الفرع، ومن الأساس إلى المؤسس. فهو ارتقاء نازل، ابتداء من البسيط إلى المركب، ومن الواضح إلى الأقل وضوحا، ومن النظري إلى العملي. وهذا هو معنى التقديم والتأخير في إحصاء العلوم الذي لا يعني مجرد رصد كمي بل ترتيب كيفي في نسق للأولويات. وكل علم متقدم على الذي يليه ومتأخر على الذي يسبقه.