تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

91

وتذكر بعض أقوال سقراط، وأغلبها منتحل، في موضوع موروث مثل الطرب على الغناء والعزف في صيغة سؤال وجواب كما هي العادة في الأسلوب القرآني وبداية الآيات بالسؤال والإجابة وأحكام السؤال والجواب رواية عن المترجم أبي عثمان الدمشقي بعد أن أصبح الوافد موروثا عبر الترجمة. وتروى الأقوال في أسلوب عربي رصين يدل على تأليفها ابتداء من المعنى وليس ترجمتها ابتداء من اللفظ. لا يعني الانتحال الوضع والانحراف عن النص الأصلي بل استئناف معناه بألفاظ مؤلفة وليست مترجمة اتفاقا مع معاني الموروث لمزيد من العمق والاتساع، وفي موضوعه الرئيسي، صلة العلم بالفضيلة، وإعطاء الأولوية للأخلاق على المعرفة تعبيرا عن موقف الإسلام، وتأكيدا لموقف اليونان، وتحويلا للثنائية الأخلاقية اليونانية الوافدة إلى إشراقيات صوفية موروثة. فالإنسان يطرب للغناء والسمع؛ لأن نفسه مشغولة بالدنيا وهي لا تساوي شيئا. والأولى الانشغال بالنفس، والبدن مجرد آلة لها. وهي عالمة بكل ما أعد لها. والكلام اللطيف ينوب عن الفهم الكثيف، والوعظ لا يبغي الانتقام من الأعداء بل يعالج الأصدقاء. والعلم في الصغر أفضل من العلم في الكبر، وكما يبدأ النقل عن المترجمين ينتهي أبو سليمان بالتعليق والتعميق، فيحسن المرء بالتعلم ما حسنت به الحياة والنفس الفاضلة لا تطغى بالفرح، ولا تجزع بالحزن؛ لأنها تنظر إلى الأشياء كما هي دون زيادة أو نقصان. فلكل محاسن مساوئ ولكل مساوئ محاسن

وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، تداعيا للمعاني. الوافد مجرد البداية وليس النهاية، مجرد خيط وافد لحبات العقد الموروث.

وتذكر أقوال فيثاغورس بعضها في صيغة السؤال والجواب. وكلها إشراقية صوفية؛ مثل الفرق بين عمى البدن وعمى النفس، بين شهوة البدن وفضيلة النفس، بين الكلام غير المعروف والطريق المجهول من ناحية، والكلام المعروف والطريق المعلوم من ناحية أخرى.

92

ويذكر إقليدس في موضع المقارنة بين العرب واليونان أو بين العرب والعجم كما هو الحال في المناظرة الشهيرة بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس. فيعير الجيهاني العرب بأن ليس لهم كتاب إقليدس ولا المجسطي ولا الموسيقى ولا كتاب الفلاحة ولا الطب ولا العلاج ولا ما به علاج الأبدان والأنفس. ويرد أبو حيان على هذه الشعوبية التي تعطي الوافد أكثر مما يستحق، والموروث أقل مما يستحق . فهذه العلوم كلها تأتي الوافد عن طريق العقل البشري في حين تأتي العرب عن طريق النقل الإلهي. طريق العقل هو الطريق الاصطناعي في حين أن طريق النقل هو الطريق الطبيعي؛ فالله هو الطبيعة والعقل الصنعة. ولا يوجد طريق إلهي خالص دون أن يمتزج بالإنساني كما لا يوجد طريق إنساني خالص لا يمتزج بالإلهي، مما يؤدي إلى اتفاق العلوم والثقافات. ولا يحق للفرس الفخر على العرب؛ فليس لهم أيضا المجسطي. تمثل الوافد إذن صار بعد معركة رفضه وحصاره أو قبوله وتقليده. وتروى أقوال هوميروش الشاعر باعتباره حكيما له مواعظ وحكم مثل: علم الإنسان بشيء إذا عير به غضب فيكون كالقاذف لنفسه، ومثل الصبر على عيب الناس لاستوائهم مع الإنسان فيه. وأحيانا يكون القول مفهوما عند اليونان وليس عند العرب مثل هلاك كلب الملك أويوس وهو ابن العشرين. ويذكر قول لأنكساجوراس بفيض الماء إذا امتلأ الإناء وكذلك الذهن، ويستعمل ضد من يريد حشو الذهن بالحفظ. فكما يقوم الموروث بتصحيح الوافد وتعميقه وإكماله يقوم الوافد أيضا بتصحيح الموروث.

93

والصلة بين الإسكندر وأرسطو صلة العمل بالنظر، الأستاذ بالتلميذ. وقد طلب الأستاذ من الإسكندر أن يرد حياته لرجاله لا أن يرد رجاله لحياته. ويضرب المثل بدورة الإسكندر على أن لكل أمة زمانا وربما تفسيرا لا شعوريا لآية

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤٨