تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

89

ويذكر أفلاطون في معرض الاتفاق بين الشريعة والحكمة أو بين الدين والفلسفة أو بين الموروث والوافد. فالموروث يستعمل ألفاظ التنزيل والتأويل والسنة والأمة، والوافد يستعمل ألفاظ الهيولي والصورة والطبيعة والأسطقس، والذاتي والعرضي، والأيس والليس. فالخلاف في اللفظ. الفلسفة والشريعة شيء واحد، الفلسفة فرع من النبوة، والنبوة فرع من الفلسفة. والفيلسوف والنبي يقولون نفس الخطاب والفلسفة أم العلوم، والنبي في حاجة إلى الفلسفة لإتمام نبوته، والفلسفة غنية بنفسها. يرفض أبو سليمان هذا الموقف المدافع عن الفلسفة ليس فقط عدم تقليد الوافد بل رفض إدخاله في الفلسفة. إلا أن أفلاطون وضع كتاب النواميس لتعليم الخطاب وطريقة البحث والتقديم والتأخير. ويستعمل أبو سليمان تشبيهات أفلاطون الأدبية التي تستهوي المزاج الأدبي العربي وتشبيهات القرآن وأمثاله. فالحكيم مثل النملة تجمع في الصيف للشتاء وهو يجمع في الدنيا للآخرة. والعلم مصباح النفس ينفي عنها ظلمة الجهل. حبذا لو ضم مصباح النفس إلى مصباح الغير. ويعلق أبو سليمان ويضيف تشبيه المشكاة والمصباح في القرآن. كما يذكر أمثلة من السياسة، سياسة النفس الواحدة قبل سياسة الآخرين، وموت الرؤساء أصلح من رئاسة السفلة، وإذا بخل الملك كثر الإرجاف به، ومن صحب السلطان يجزع من قسوته. ويرفض أبو سليمان مضمون هذه الأقوال بالرغم من قبول أشكالها الأدبية، ويرفض التمثيل كأداة للبرهان. فالمثال يستجيب إلى الحق كما يستجيب إلى الباطل. وينقد الفكرة ذاتها التي تضر أكثر مما تنفع. تجنب السلطان أولى من مصاحبته خاصة إذا فسد الزمان. ويعطي أمثلة محلية جديدة لتأصيل الفكر القديم ونقد الفكر الجديد والرد عليه عقلا وواقعا. ويصلح العصر إذا كان الدين طريا، والدولة مقبلة، والخصب عاما، والعلم مطلوبا، والحكمة مرغوبا فيها، والأخلاق طاهرة، والدعوة شاملة، والقلوب سليمة، والمعاملات متكافئة، والسياسة مغروسة، والبصائر متقاربة. قد تكون هذه الحالة افتراضية خالصة من أبي سليمان ومحاوره الأندلسي؛ فالزمان خصب وجدب، صلاح وفساد، إقبال وإدبار، زيادة ونقصان. فلا يوجد في السياسة خير مطلق أو شر مطلق. ويذكر أبو سليمان قول أفلاطون، ويعلق عليه قبولا أو رفضا. فإذا قال أفلاطون إن الله تعالى بقدر ما يعطي من الحكمة يمنع من الرزق فإنه يزيد هذا القول تعقيلا لأن العلم والمال ضرتان قلما يجتمعان، المال للنفس الشهوية والسبعية، والعلم من النفس العاقلة، وهما متعاندان ضدان. العلم مدبر والمال مدبر، العلم نفسي والمال جسدي، العلم خاص بالإنسان والمال عام. آفات المال كثيرة، والعلم يزكو على الأنفاق، ويهدي إلى القناعة. الإبداع هنا إيجاد تعليل للوافد الموروث وتركيبه على الواقع الجديد وتأصيله في تجارب إنسانية جديدة. فأبو سليمان السجستاني هو الذي يقوم بالتحول من النقل إلى الإبداع، من الوافد إلى الموروث إلى الموروث المبدع.

90

وتقتبس كثير من أقوال ديوجانس مع مناقشتها وعدم التسليم ببعضها، والبعض منها في صيغة سؤال وجواب، الشكل الأدبي الموروث. وكلها في قالب الحكم مثل تلك التي أرخ لأشكالها الأدبية المبشر بن فاتك، ولا يمكن التمييز فيها بين الوافد والموروث، البداية بالوافد والنهاية بالموروث، البداية بالدنيا والنهاية بالآخرة. ويمكن تصنيف أقوال ديوجانس إلى ثلاثة أنواع؛ الأول ما يتعلق بالغذاء وأمور البدن مثل صلاح الملح وفساد الذباب، أكل العبد من رزق الرب، ليس المهم كثرة الأكل بل ما يتواءم مع البدن، والتحري في غذاء النفس أولى من التحري في غذاء البدن، إذا كان المأكول للبدن فالموهوب للسعادة، والمحفوظ للعدو. إذا كان الملاح لا يطلق سفينة لكل روح فالأولى بالنفس أن تكون كذلك. وكلها أقوال تفتح البدن إلى النفس وإلى الله توسيعا لمفهوم الغذاء البدني. والثاني ما يتعلق بالأمور الفردية والاجتماعية، التفرغ والوحدة، والحديث مع من يفهم، وترك اختزان الذهب والفضة في الدار، ورؤية النفس في المرآة لعدم قبح حسنها أو زيادة قبحها، واستعداد المرأة لتلقين الشر للمرأة. والثالث ما يتعلق بالآخرة، الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، من طلب الغنى إلى طلب الحكمة، ضرورة تفلسف الملوك أو تملك الفلاسفة، الدنيا سفر لا يؤخذ فيه إلا حد الكفاف، أولوية الحمام السمائي على الحمام الأرضي، طالب العلم والمال في الدنيا؛ فالعلم يقدره الخاصة والمال يقدره العامة. ويتم التعليق على بعض هذه الأقوال مثل تشبيه الذهب والفضة في الدار كالشمس والقمر في الحال؛ لأن الشمس والقمر يكسفان فيكونان سببا لفساد كثير، والذهب والفضة يذيبان ويحميان تكملة للناقص. كما يتم التعليق على تفلسف الملوك وتمليك الفلاسفة؛ بأن الفلسفة لا تصح إلا لمن رفض الدنيا وتفرغ للآخرة. ومن ثم استحالة الملك الفيلسوف أو الفيلسوف الملك عند الحكماء، ويوافق على ارتفاع ثمن الحمام السماوي على الحمام الأرضي، وما زال المجال مفتوحا لمزيد من التعليق اليوم على موقف جالينوس المعادي للمرأة ومقارنة هذه الأمثال بالآداب السامية القديمة ومواعظ الكتب المقدسة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤٧