83
ويذكر الصحابة باعتبارهم مصدرا للموروث، لا فرق بين سنة وشيعة.
84
ويستشهد بالقرآن في معاني الشهادة والتحاب والتآلف بين القلوب. فالصديق بمنزلة العين. كما يستشهد بالحديث على أن الصديق لا يرضى لصديقه إلا ما يرضاه لنفسه، وأن مداراة الناس صدقة دون مجاراة، وأن المؤمن صديق ألوف، وضرورة الاستعاذة من شرار الناس، والحذر من خيارهم، وإعلان الصديق بالمحبة للتبادل بينهما، وأن التهادي يوثق أواصر المحبة، وأن رأس العقل بعد الإيمان التودد للناس، وأن حسن العهد من الإيمان، وأن أفضل الصديقين من كان أكثر حبا لصديقه.
85
ويستشهد بالأنبياء أيضا باعتبارهم تاريخ الوحي السابق. فتذكر أقوال عيسى ابن مريم من خلال الروايات الإسلامية وأحيانا المنتحلة تعبيرا عن روح الحضارة الإسلامية. فمن علامات تلاميذ المسيح حب بعضهم البعض، وحب الله بكل القلب، وحب الجار مثل حب النفس، وحب الصديق للنفس، وحب النفس للرب. صيانة الصديق وصيانة للنفس، ووجود النفس وجود للرب، وتروى قصة لقاء بن زكريا بعيسى ابن مريم عندما تبسم يحيى وعبس عيسى؛ لأن الحياة ليست آمنة، في صيغة حوار وليست قولا مباشرا. كما يستشهد بقول لقمان عن صحبة الخير وصحبة الشر. كما يستشهد بتراث اليهود الديني والأدبي مثل سبعين بن عريض اليهودي وكعب الأحبار تحذيرا من أن يكون الإنسان كلب أصحابه.
86 (د) الإمتاع والمؤانسة
لا يتجاوز الوافد في «الإمتاع والمؤانسة» واحدا وعشرين اسما يونانيا. يأتي ديوجانس في المقدمة ثم أفلاطون ثم سقراط ولا يأتي أرسطو إلا في المرتبة الرابعة مع الإسكندر، ثم كنتس (أبقوس) ومنقاريوس ثم فيثاغورس وزيموس، ثم جالينوس، إقليدس، أوميرس، أنكساجوراس، حوريس، أربوس، أسطفانوس، أسقليبوس، ثيوديسيوس، زيودورس، طيماثاوس، غالوس، يونان.
87
ويكتب أرسطو أحيانا بالألف أرسططاليس وأحيانا بالواو أرسطوطاليس. ولا يذكر فقط في أقوال أبي حيان بل في أقوال مناظريه. يذكر أرسطو في المناظرة الشهيرة التي يرويها أبو حيان بين السيرافي ومتى بن يونس حول اللغة والمنطق. فعند السيرافي المعنى مستقل عن اللفظ، والمنطق من حيث هو معنى ليس ملكا لأحد؛ لأن المعاني في الذهن ومن يعرف منطق أرسطو لا يمكنه أن يجحد ذلك. وهي حجة جدلية ضد متى بن يونس دفاعا عن اللغة العربية ضد هجوم المنطق عليها، وقلب الحجة عليه باسم المنطق الذي يدافع عنه. كما يعجز منطق أرسطو أن يحدد معاني حرف الواو في اللغة.
88
ويستعمل أئمة الكفر، فرق الشيعة، أرسطو وسقراط وأفلاطون؛ للتمييز بين الظاهر والباطن للقدح في الإسلام وإدخال الفتنة فيه. وهي حجة ضعيفة فكما يستعمل منطق أرسطو في تدعيم الكفر يستعمل أيضا في تدعيم الإيمان. لم يعد الأمر شرحا لأرسطو أو إكمالا له بل نقدا له ورفضا لأهميته ما دام في منطق اللغة ما يغني عنه. وأرسطو مذكور مثل غيره وإن كان أقل ذكرا. ويعطي شرح إيساغوجي وقاطيغورياس لصديق بالري لاختبار مسكويه، الفقير بين الأغنياء، العيي بين الأنبياء. الوافد هنا مذكور من خلال الموروث، وأرسطو من خلال ابن سينا وليس مباشرة. ولمسكويه تذوقه للموروث لا للوافد، للأخلاق لا للمنطق، للعمل لا للنظر، لتحليل الفضائل والنفس لا للطبيعيات أو الإلهيات. ويذكر أرسطو على أنه صاحب حكايات وروايات في طلب الشفاعة لرجل لم يعطها له، وإن أراد ولم يقدر فله العذر، وإن قدر ولم يرد فسيجيء وقت يريد ولا يقدر. وهي ألفاظ محملة بالكلام الأشعري عن القدرة والإرادة والشفاعة. والأقرب أنها من المنتحلات لبيان أرسطو الحكيم في الحياة اليومية. كما يروى عنه أن العقل والفرح بالدنيا لا يجتمعان مما يدل على صورة أرسطو الأخلاقي الصوفي. كما يذكر صاحب المنطق تأكيدا على هوية أرسطو أو المستعمل للمنطق بوجه عام انتقالا من الشخص إلى العلم. ويذكر الحكيم وليس أرسطو انتقالا من الشخص إلى الرمز، ورواية عن العامري وليس مباشرة. فقد تحول الوافد إلى ثقافة داخل الثقافة. علة الأنواع والأجناس ودوامها الفلك المستقيم، وعلة كون الأشخاص وحوادثها الفلك المائل. أما الكليات المنطقية فطبيعتها من القوة القياسية المستتبة لها. وقد نقد أبو النضر النفيس هذا الرأي واعتبره حكما بالوهم ورجما بالظن، وأنه لا فرق بين الفلك المستقيم والفلك المائل في أثرهما على الأجناس والأنواع. وللحكيم هفوات كما أن للجواد عثرات، وكما أن للنائم هذيانا، عيب العامري أنه قلد الحكيم. وقول الحكيم توهم، ومحبة الرجال للرجال فتنة تؤدي إلى قبول الباطل كما أن بعض الرجال للرجال فتنة تؤدي إلى رد الحق. ولا مخرج من هذا المأزق إلا الدعاء إلى الله بالتضرع للخروج منه. وهنا يتوجه الموروث لنقد الوافد والتبعية للوافد وعدم التحقق من صدقه. ويذكر أرسطو في معرض لا نهائية العلم. فالعلم نقص في الجهل، والجهل بلا حدود، ومن ثم كان العلم بلا حدود، ونقيض العلم هو الذي له حدود. والإنسان لا يطلب إلا ما لا حد له، وهو قول أشبه بقول سقراط في العلم، وأقوال المسلمين عنه تعبر عن روح اليونان وروح الإسلام.