ويستلهم أبو حيان من التصوف مصادره عن الصداقة والصديق تبين استحالة الصداقة وصعوبة الحصول على صديق. فالصداقة عطاء لا أخذا توحد بالروح والمشيئة والإرادة. وحسن الخلق من فاجر أفضل من سوء الخلق من عابد، ونقل الحجارة مع الأبرار أفضل من أكل الخبيص (الحلوى) مع الفجار. الصداقة شهادة بالقلب وليست خبرا بالرواية. وهي مقابلة السيئة بالحسنة والمساعدة على الحسنة. والصديق من لم يجد الإنسان سواه ولم يفقده من هواه. والرفيق ما يكون الإنسان غاية شغله وأؤكد فرضه. والشقيق من أن دهم الإنسان محنة قنيت عينه له وإن شملته منحة قرت عينه به. والوافي من يحكي بلفظه كمال الإنسان ويرعى بلفظه حاله. والصاحب من غاب اشتاقت الأحباب إليه، وإن حضر تلفحت به الأبواب. والنديم من نأى ذكر الإنسان عن الكأس، وإن دنا ملك الاستئناس. الصداقة التداري بالرثاء إلى أن يأتي فرج الله، والتخلص من الرياء والنفاق وإلا أصبح مكاشفة ثم مقارحة. وهذه الأمثلة عن الصداقة المثالية لا تمنع من وصف الصداقة الواقعية من مالك بن دينار أنها في هذا الزمان مثل حرفة الطباخ حشيشة الريح لا طعم لها.
79
وتجارب المتقدمين مرايا للمتأخرين. المتقدمون هم المقياس والمعيار والهادي للمتأخرين أئمة الهدى، عنهم تنقل التدابير الإلهية. وقد قال بعض المتقدمين أنه لا صلاح للمالك إلا نفسه ووزراؤه وأعداء يخرجون عليه فيصلح نفسه من أجلهم. كما قال الأوائل أن الإنسان مدني بالطبع لابد له من الإعانة والاستعانة. والحكماء جماعة واحدة يخرج بعضهم من بعض بصرف النظر عن مضاراتهم وشعوبهم. وقال بعض الحكماء إن لم يكن الأخ صديقا فهو نسيب الجسم، وإن لم يكن الصديق أخا فهو نسيب الروح، وقد سمى أبو داود حكيما.
80
ويروى عن فيلسوف قوله عن إخوان السوء أنهم ينصرفون عند النكبة ويقبلون مع النعمة. ويتواصلون بالمحبة إلى أن يظفروا بالثقة ثم يتحولون إلى الشر. لا يشكرون على الخير، وينشرون الشر. صداقتهم شر، وتحجرهم شر، وحسن النية دليل على الصداقة والهجر دليل الموت، واعتزال العدو، والحذر من الصديق واجب. الصديق في الزمن الصالح الحسيب اللبيب الأديب، وفي زمان السوء المكاشر (المضاحك) بين الحياء والنفاق. ومن عاشر الإخوان بالمكر كافئوه بالغدر. والسفر في طلب صديق أطول سفر. وليس العاقل بأفضل من الصديق لأنه إن كان فاضلا تزين به وإن كان سفيها قابله بالحلم. وخير الأصحاب من ستر الدين وعدم المن. ولا يجوز لأحد مصاحبة الكذاب إلا مضطرا دون تصديقه ودون إعلامه بذلك حتى لا ينتقل عن طبعه. والعدو هو القادر. ولا تجوز القطيعة مع أحد إلا بعد العجز عن إصلاحه، ولا إيقاعه حتى يمكن عودة، وغاية المودة الثقة والتناصح.
81
ويستشهد أبو حيان بأقوال أهل السلف الذين يستشهدون بدورهم بالقرآن والشعر أكثر من النثر. وهم أقرب إلى إخوان الصفا بالمعنى الواسع. ويقتبس من أقوالهم في فضيلة الصداقة وتحييد العداوة. وتعريف الصديق بأنه الآخر الذي هو الأنا. وأحيانا يتحدد السلف بالسلف الصالح من أجل إعطاء سلطة للتراث. وهو تراث نوعي يغلب عليه الإشراقيات والأخلاقيات والنفسانيات.
82
وقد يذكر السلف الصالح على الاتساع دون تحديد في التواضع وطريقة التعامل مع النفس أو على التحديد، ابن مجاهد عن الفضل والرزق، وأبو عثمان الهندي عن الأمل، وابن الخليل عن الخير، وعامر بن الظرب حكيم العرب عن الرأي النائم والهوى اليقظان. فالفكر الفلسفي ينشأ بشروح على أقوال السلف وليس فقط على أعمال اليونان. وقد تذكر أعمال حكماء العرب الذي حرم أحدهم على نفسه الخمر، وحكم في الخنثى بما جرى فيه الحكم في الإسلام، مما يدل على قدرة الواقع على الوصول إلى ما انتهى إليه الوحي، وعلى تأييد الوحي لما توصل إليه الواقع.