73
وتذكر أقوال أفلاطون في معرض الصداقة والصديق تقريبا في سياق واحد. ومعظمها منتحلة. فهي أقرب إلى المواعظ الخلقية وأقوال الصوفية وتحويل المجردات اليونانية إلى أخلاقيات عملية إسلامية وتأصيلها بشعراء العرب، والانتحال أحد مظاهر الإبداع، صياغة الموروث الروح الوافد.
74
فصديق المرء عقله، وعدوه جهله، وعمر الدنيا أقصر من أن تطاع فيها الأحقاد. وإرضاء الحازم بإسخاط الحاشية، وإسخاط الأحمق برضاء حاشيته. والشرير يتبع مساوئ، الناس لا محاسنهم، ولا يتمنى العاقل لصديق الغني بل المساواة.
75
وعلاقة ديوجانس بالإسكندر مثل علاقة أرسطو أو علاقة أمه به، مناسبة لإبداع الحضارة الإسلامية حوار بين صديقين أو بين شيخ ومريد فيما يتعلق بالصداقة والأخوة والنبوة تأكيدا للفيلسوف الملك وانتقالا من الوافد إلى الموروث بسهولة ويسر، وعدم الإحساس بالغرابة أو الغربة أمام الوافد بعد أن أصبح موروثا غارقا في الدين والأدب والأخلاق. كما اندمج الإسلام نفسه داخل تاريخ الأديان عند السجستاني وإخوان الصفا. وتذكر أقوال ديوجانس أحيانا في شكل سؤال وجواب من سائل معروف أو يكون ديوجانس نفسه هو السائل مثل الإسكندر. ويخص ديوجانس باليوناني تمييزا له وتحديدا بأنه وافد في مقابل موروث. وكلها حكم تدور حول ضرورة التحفظ من حسد الأصدقاء ومكر الأعداء، ومعرفة الأصدقاء في الشدائد، وفرح الإنسان بأخيه في حياته لأنه يموت وحزنه عليه بعد وفاته لأنه لا يعيش. والأخوة بين صديقين أبقى من علاقة مواطن يملك إذا استمرت الصداقة في الباطن والتبعية في الظاهر. وخير صديق هو العقل في حين أن الصديق حتى ولو قام بالنصح قلاب. وتذكر أقوال الإسكندر في الصداقة في صيغة سؤال وجواب. فقد نال الملك في حداثة السن باستمالة الأعداء وتعهد الأصدقاء، والحزن على موت صديق ليس لموته بل لأنه لم يوفه حق بره وصداقته.
وتذكر أقوال سقراط في الصداقة. فالإنسان لا يكون كاملا إلا إذا أمنه عدوه وبالأولى أن يأمنه الصديق. كما أن من رجحان عقل الصديق أن يدل على عيوب صديقه، ويعظه بالحسن، ويمنعه من السيئة، وبتعبير الموروث، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. كما تذكر أقوال هرمس أن القرابة تحتاج إلى المودة في حين أن المودة لا تحتاج إلى القرابة. فالمودة أعلى من القرابة وأكثر استغلالا. كما يذكر قول ثامسطيوس عن ضرورة الصداقة، وأن الإنسان بلا أصدقاء كالشيء بلا عين. ويستشهد بقول أنكساجوراس بأن الشدائد التي تنزل بالمرء محنة إخوانه أكثر من محنته هو لو كانوا أصدقاء، وصعوبة الصداقة أنها خلق واحد، والصديق ذو طباع أربعة. وتذكر أقوال الفلاسفة أقل شهرة مثل أبارنيوس فيما يتعلق بما يلحق الإنسان بالنفع أو المضرة من صديق مقبل أو مدبر. فالإنسان لا ينفع ولا يضر إلا نفسه ولا يملك أحد لأحد نفعا ولا ضرا وهو المعنى الموروث. ويذكر قول آخر لثيغابون (أسطيفانوس) عن قضاء الحاجة من الصديق قبل طلب ذلك منه. كما يذكر الكاتب على الإطلاق لا يهم سمه ولا شخصه بل راويا للفكرة وهي الصداقة.
76
والموروث في الصداقة والصديق يفوق الوافد، شعر عربي وأسماء محلية وشعراء بالمئات، بالإضافة إلى الآيات والأحاديث.
77
ويستشهد ببعض أئمة الشيعة باعتبارهم تراثا شعبيا ولأنه تراث حاضر ومسيطر، ويرى علي بن القاسم أنه يمكن النفاق بالدين دون الفلسفة. ويجيز الدين قتل النفوس دون الفلسفة، ويذكر مسكويه أقل مما يذكر في «الإمتاع» ونقده لانفصال قوله عن عمله، و«تهذيب الأخلاق» عند ذميم الأخلاق. يتدخل في كل شيء دون أن يبدع شيئا. لا يكتفي بعمل ما يحسن، بليد الطبع.
78
ويستشهد بأقوال المرقشي وأبي تمام والجاحظ وأبي داود بقتل الصديق الصديق إذا رآه مع عدوه. كما يستشهد بابن المقفع في كليلة ودمنة.