تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

67

ويذكر أبو حيان بعض أقوال الصوفية في وصف الطريق ومراحله الثلاث: المرحلة الخلقية (الرياضة والمجاهدة)، المرحلة النفسية (المقامات والأحوال)، المرحلة الإلهية (الشهود والوجود). وينتقل إلى التصوف الاجتماعي المدني. إذ تقوم المدينة بالمعاونة، ويصح معاش الإنسان الذي هو مدني بالطبع. وهم طبقات الزهاد وأهل الأديان والمذاهب. وقوم من الفلاسفة، وسموا في الإسلام بالصوفية، وقالوا بتحريم المكاسب. وسبب الصيت الذي يحصل عليه الصوفي بعد موته أنه يعيش خاملا ويشتهر ميتا مثل معروف الكرخي. هم أهل التقشف ولهم فيه أقوال كثيرة، والتشف من الشرف، والترف من السرف عند بعض النساك. وقد يعيش الصوفية في بعض الأحوال مثل «حمى الربع» أربعين سنة حتى إذا فارقته استوحشها. وسر الصوفي أنه إذا صفا لم يحتمل الجفا. وإذا صفي السر انتفى الشر إيحاء إلى مراتب النفس من المعارف ومنازل اليقين وكذلك حالات الوجود والتواجد، ويتحدث بعض الصوفية عن المشاهدة والمناظرة، البعيد الذي لا يجحد والقريب الذي لا يشهد، الحق الأحد.

68

وهو الذي قال فيه أبو حنيفة الصوفي ببغداد:

قلت غدا موعدنا

ضحكت وقالت بعد غد

ويستعمل أبو حيان عديد من الآيات القرآنية لتأييد العلم اللدني كما هو الحال عند إخوان الصفا. وهو رزق الموقنين بكرة وعشيا، دولة بينهم دون إيثار. والطريق إليه هو ترك العاجلة والتوجه إلى الآجلة، والتدليل على حب العاجلة بالشعر، فلا فرق بين التجربة الدينية والتجربة الشعرية. وقد تحصل الفضائل في التركيب من صحة المزاج ثم تهمل فيصير الإنسان من الأخسرين أعمالا وهو من انحط على مرتبة الصور الإلهية. والعبادة هو الطريق إلى الله. وهنا تكون العجلة والسرعة فضيلة. وقد يتحول ذاك كله هباء منثورا إن لم يشفعه العمل الصالح. ميزة القرآن الاختصار في اللفظ والإيضاح في المعنى مثل المثل الشعبي والبيت الشعري. ومن شروط الاجتهاد العلم بالقرآن والسنة، ويمكن إثبات الصفات الإلهية عن طريق تحليل التجارب البشرية مثل نفي الشركة مما جعل أبي حيان عرضة إلى الاتهام بالإلحاد.

69

ويستعمل الحديث في موضوع التطير والفأل. فالفأل الحسن مجرد إيحاء، وقائع تطابق التمني، وأن يكون حامل الرسالة حسن الاسم حسن الوجه. كما تستعمل بعض الأحاديث الحرة مثل الثناء على يوم الجمعة. فأيام الراحة أيام طعام وشراب أو الاستعانة على قضاء الحاجات بالكتمان منعا للحسد، وإن رثاثة الهيئة من الإيمان، وتكاتف المسلمين فيما بينهم. ويستشهد بقول المسيح من الرواية العربية مفسرا الروحي بالحرارة الغريزية. ويستعمل أبو حيان بعض التراث اليهودي مكررا من باقي مؤلفاته عن حدة طبع اليهود.

70

ويبدأ الكتاب بالبسملة والاستعانة بالله والاعتراف له بولاية النعمة. وتنتهي بالحمدلة والصلاة والسلام على محمد النبي وآله الطاهرين والدعاء للقارئ بإدراك الحق وشرح صدره له. بل وتستمر بعض العبارات الدينية عبر الكتاب كله مثل إن شاء الله وبالله التوفيق، أعزك الله والدعاء بالتوفيق والعصمة والشكر والتوكل والنصر.

71 (ج) الصداقة والصديق

ويظهر الوافد في «الصداقة والصديق»، أفلاطون، ثم الإسكندر وديوجانس ثم أرسطو مع الحكيم ثم سقراط ثم أنكساجوراس ثم أبارينوس، وثيفايون، وثامسطيوس وهرمس، وبقراط، وثيغانوس. ومن الفرق بعض المتقدمين والحكماء والأوائل والحكماء القدماء.

72

تذكر أقوال أرسطو مثل باقي الحكماء والصوفية والعلماء والفقهاء دون تمييز له عن غيره. فهو صاحب أقوال وحكم وأمثال وليس صاحب مذهب مثل رابعة العدوية إبرازا للعلاقة بين الإنسان والله. فأخلص الإخوان من لم تكن مودته عن رغبة أو رهبة. وتعهد الإخوان بالملاطفة يمنع من الهجر، وتعهد إخوان الإخوان دليل على الوفاء، وتعهد أهل المكاشرة المتشبهين بالإخوان أي المنافقين بالصبر عليهم إما لتحويلهم إلى أصدقاء أو لاتقاء شرهم. وقد عرف أرسطو معلم الإسكندر الصديق بمنطق الهوية والاختلاف. فالأنا هو الأنت، والأنت غير الأنا كما قال أبو بكر في عمر، أنا الخليفة إلا أنه هو أنا، ويظل أرسطو مع أفلاطون وسقراط وبقراط، هو الحكيم الزاهد في الدنيا، البعيد عن الكبر والخيلاء ومجالس اللهو والشراب المعروفة عند مدعي العلم في بلاط الخلفاء. وتذكر أقوال أرسطو في صيغة نصائح ومواعظ في ضمير المخاطب المفرد على طريقة الصوفية المسلمين. ومعظم الروايات عن أرسطو عن طريق أبي سليمان وليس مباشرة منه أي الوافد من خلال الموروث. فقد تفاعل الوافد والموروث بحيث أصبح الوافد محمولا والموروث حاملا. فإذا كان النقل يبدأ بأرسطو فإن التحول يبدأ بالرواية التي تحمل الوافد على لسان الموروث، ويعود رمز الحكيم في الصديق مرات عديدة، الآخر هو الأنا ولكنه بالشخص غيره، وهو شبيه بقول روح بن زنباع عندما سئل عن الصديق فقال لفظ بلا معنى. فقول الحكيم مشابه لقول آخر من الموروث. ومجموع أقواله إشراقية صوفية منتحلة تعبر عن روح الحضارة الإسلامية. هنا يصبح الوافد حاملا والموروث محمولا. ويستأنف الموروث شرح عبارة للوافد ويعمقها ويتحقق من صدقها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤٣