تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد سأل أبو حيان أسئلته كلها دفعة واحدة أجاب عليها مسكويه متفرقه. ويتصرف مسكويه في الأسئلة، يجيب عن بعض أجزائها دون البعض الآخر، وأحيانا يسقط السؤال كلية ويعيد وضعه حتى يصبح أكثر دقة. يسأل أبو حيان عن شيء فيجيبه مسكويه ثم يسأل نفس السؤال مرة ثانية ليعرف هل سيعطي مسكويه نفس الإجابة ليعلم صدقه كفيلسوف وهل الإجابة وقتية أم بناء على تجربة فردية أو مشتركة. وتبدو بعض المسائل الأصولية عن وحدة الحق وتعدده، اختلاف الحكم حسب الزمان والمكان والعادة ومصالح الناس كما هو الحال في الفتاوى مثل صبغ الثواب سوادا هل يقلل أو يزيد من قبحه. فأبو حنيفة قبل العباسيين وأبو يوسف أيام العباسيين يعدان السواد شعارا، ومثل دوران الحكم مع المصلحة، والاجتهاد حتى ولو خالف النص. فالاجتهاد حسن في ذاته واستحالة خروج الشريعة عن مقتضى العقل. وهي تعطي صورة لمشاكل القرن الرابع في العراق والحالة الاجتماعية للناس. والإجابات نفسية واجتماعية وليست صورية آلية. وتدل إجابات مسكويه على أنه ليس غبيا بين أذكياء، دعيا بين أدعياء. وهناك أسئلة عن العلل والمصلحة كما هو الحال في علم الأصول بالإضافة إلى تحليل العواطف والتجارب الحية العامة. وما يهم هو الفكرة لا الشخص، الإبداع لا المبدع. وتكثر الأسئلة عن العلم، وكلها لأبي حيان والأجوبة لمسكويه. ويتم الاعتماد على العقل الخالص والتجارب المحضة دون وافد أو موروث ولا حتى الموروث الأصلي. ويخلو الكتاب من الشعر الذي يكثر في «الصداقة والصديق». وله أسلوب غير الأسلوب الشائع لأبي حيان في باقي مؤلفاته. ربما ألفاه سويا، وهو أسلوب واضح بسيط، أقل افتعالا وأكثر عقلانية. يبدو طويلا ولكنه واضح لا يبرر اتهام مسكويه بالغباء والسعي وراء الدنيا ربما حسدا من أبي حيان. وإذا كان غبيا فلماذا يسأله أبو حيان ويستفتيه؟ والأسئلة إنسانية عقلية مفتوحة إبداعية. ولا يهم الجواب. فالسؤال الجيد أفضل من الإجابة السيئة. وتذكر حكايات عن الأدباء والرواة مثل سؤال ابن العميد عن عدم الاتفاق على المثامنة بالياقوت والجواهر أو بالنحاس والحديد والرصاص دون الفضة والذهب، ربما لندرة الأول وشيوع الثاني، وتوسطا ثم الاتفاق عليه.

66

ويبين أبو حيان أسباب الإلحاد في الإسلام، الشك عند أبي سعيد الحصيري، حرمان الفاضل وإدراك الناقص عند ابن الراوندي مثل أيوب، فالمؤمن المصاب، ومساواة الإسلام بالحكمة ثم الكفر بهما أو الإيمان بهما مثل أبي عيسى الوراق. وقد عرضت لأبي سالم البصري شبهة أن الله تعالى لم يزل ناظرا إلى الدنيا رائيا لها وهي معدومة. فالذات لا تحتاج إلى الموضوع. وقد تورط الرازي في مذهب بعيد عن الحق، سببه معاني الألفاظ التي أطلقها الحكماء على الاتساع بعد أن ضاقت الألفاظ القديمة طبقا لمنطق التشكل الكاذب، ويقيم أبو حيان بعض العلماء مثل الكندي والأصمعي وبعض الموسيقيين مثل إسحاق الموصلي. فالكندي لم يخرج كلامه من القوة إلى الفعل. ولم يصنع الآلة التي تتطلب مهارة العازف عليها. كما أنه أبطل صناعة الكيمياء، ورد عليه الرازي مدافعا عنها.

ويذكر أبو حيان حكاية الرشيد حين سأل عن حال إسحاق الموصلي مع الفضل بن يحيي وجعفر بن يحيى، الأول الوصول إليه صعب، والثاني سهل، والأول أفضل لأنه صاحب الشرف في العطاء، وجعفر صاحب الطلاقة والبشر. وقد فضل الموصلي الثاني. ويعطى أبو حيان لنفس الفضل في الكيمياء وليس لخالد بن يزيد منها شيء، ويذكر أبو حيان الأصمعي والإمام علي لارتباط الشيعة بالثقافة الشعبية.

ويذكر أبو حيان من الفرق المتكلمين مع أصحاب الكلام الإسلاميين ثم النساك والمعتزلة والمانوية والإسلام، ومن أسماء الشعوب العجم والترك والفرس والروم والهند والسودان والحمران والزنوج وليس منهما يونان.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤٢