تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

والفيلسوف هو الذي يبحث عن الوضوح. فقد يكون القول الرشيق سببه متوار والدليل عنه مزاح. ويذكر الفلاسفة بوجه عام وليس بالضرورة فلاسفة اليونان بل يشمل اللفظ الإشراقيين والصوفية. هم الفلاسفة الإلهيون والزهاد والذين يجمعون بين الحكمتين والنعمتين وتخلوا عن نقائصهم وبهم تصلح المدن فالإنسان مدني بالطبع. وكثرة الملك. وقلة الرزق خير من كثرة الرزق وقلة الملك. والفلاسفة هم القادرون على التمييز بين الاسم والمسمى، وكان المأمون نموذج الملك الفيلسوف الذي يدير الآفاق ويعجز عن تدبير قطعة الشطرنج.

59

أما الموروث فإن الشعر يأتي في المقدمة مما يدل على أهمية المصدر العربي الأول ثم القرآن مما يدل على أهمية المصدر الجديد الذي ورث المصدر الأول، ثم العرب وكلام العرب وأمثلة العرب ثم الحديث ثم المصادر المدونة والمروية قبل أن تأتي الأعلام.

60

يستشهد بشعر ابن الرومي على الفأل ويتعصب البعض الشعر البحتري وتشببه، ويستعمل الشعر نموذجا للصواب وسهولة حفظه عن حفظ الخطأ مستشهدا بشعر أبي تمام والبحتري وليس بشعر الطرمى أو أبي العبر. وينقد أبو حيان امرئ القيس للغته الأعرابية وعجمية ملكه وشبابه وذهابه في طرق الشعر طريق التصنع والهيام في الوادي والانغماس في المعاني. ويستشهد بأقوال المرقش وأبي تمام.

61

ويذكر من الأعلام ما يزيد على الخمسين من الأدباء والمتكلمين والمغنين والمؤرخين والشعراء والحكماء والمترجمين والصوفية والأمراء والخلفاء والصحابة والعلماء والأنبياء.

62

ويخص بالذكر متى بن يونس (328ه) باعتباره منطقيا، ومناظرة أبي هاشم المتكلم في الصلة بين اللغة والمنطق. فالمنطق عند أبي هاشم أحد أوزان اللغة. ويؤيد أبو حيان أبا هاشم، وهو نفس موقف السيرافي.

63

ولأبي يزيد البلخي كلام في تفسير انتصاب قامة الإنسان من بين الحيوان. وله رواية لبعض الحكماء عن معنى سكون النفس الفاضلة إلى الصديق ونفورها من الكذب. أصبح الوافد الآن رواية عن الموروث وأخذ البلخي لقب الفيلسوف. ويحضر الجاحظ والبلخي في «الهوامل» كما يحضر أبو سليمان في «الإمتاع» و«المقابسات». فالجاحظ أقرب القدماء إلى أبي حيان، كلاهما يجمع بين الأدب والفلسفة ويزيد الجاحظ العلم فتذكر أقواله في الحياء لباس وحجاب وستر من المساوئ شقيق العفاف، وحليف الدين، يذود عن الفساد، وينهي عن الفحشاء وإن كان أحيانا يبدو تصنعا. ويذكر حسد أحمد بن عبد الوهاب له في «التربيع والتدوير» حول الصدق والكذب والتولد في الحيوان دون النبات.

64

ونظرا لأهمية المناظرة فقد جمع أبو حيان في «الهوامل والشوامل» مجموع مناظراته مع مسكويه. بل إن الهوامل المسكويه والشوامل لأبي حيان. ويحيل مسكويه إلى الفوز دون تحديد الأكبر أم الأصغر. والأصغر أقرب إلى علم أصول الدين. كما يحيل إلى باقي كتب المنطق والأخلاق وكتب النفس، فالمناظرة في الموقف كله. كما يحيل أبو حيان إلى «تدبير المنزل» لمسكويه (أرسطو)، فالمناظرة في الموضوع كله وتراكماته الفلسفية.

65

والعنوان مستمد من البيئة. الهوامل سائمة الغنم أي الأسئلة الشاردة والشوامل الإجابات عليها ورد المسائل إلى أوضاعها الصحيحة. فهو تأليف مزدوج. ويتضح أن أبا حيان هو التلميذ ومسكويه هو الأستاذ. فلماذا الهجوم على شخصية مسكويه؟ وتدل الأسئلة والإجابة على مستوى رفيع للمناظرة كنوع أدبي، الأسلوب الأدبي وشكوى الزمان. ويقرع مسكويه الأستاذ أبا حيان التلميذ بسبب شكواه. فمسكويه أقرب إلى الفيلسوف الرواقي. ومع ذلك يبدو أفق أبي حيان متسعا، فيلسوفا مع الفلاسفة، متكلما مع المتكلمين، لغويا مع اللغويين، متصوفا مع المتصوفين على عكس مسكويه الذي يبدو ضيق الأفق، سيئ التعبير، لا يحسن الإلهيات، بل يكتفي بالأخلاق العملية وتدبير المنزل في فلسفة أرسطو. كانت شهرة مسكويه في العلم أكثر من شهرة أبي حيان، وكان أغنى منه لأنه كان خازن بيت المال وخازن كتب. وربما طمع أبو حيان في علمه وماله. لذلك هاجمه في «الإمتاع والمؤانسة»، مغتر بين أغنياء، وعيي بين أدعياء ... إلخ، كما يهاجم ابن سينا مسكويه ربما لسلوكه الخلقي على عكس انغماس ابن سينا في العالم. ربما لم يكن مسكويه عالما ولكنه كان زاهدا في الدنيا التي طمع فيها ابن سينا.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤١