تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

ويذكر جالينوس وحديث القفل وتعجبه من جهل من يفعل ذلك أو يرفس الحمار ويلكم البغل مما يدل على غلبة البهيمية على الإنسانية وسوء التمييز وقلة استعمال الفكر. وفي تأكيد الموروث على أن البدن آلة للنفس يذكر مذهب جالينوس المطابق لذلك. وفي تأكيد الموروث للمزاج يحال إلى جالينوس أيضا لبيان مطابقته. فالموروث هو الذي ينتهي إلى النظرية والوافد يؤكد عليها ربطا للحقيقة بتاريخها والبنية بتطورها، الدراسة أولا والإحالة ثانيا، وقد بلى جالينوس بمرض طويل لم يستطع إبراء نفسه منه حتى ضحك عليه من حفظ مذهبه.

ويذكر أفليمون باعتباره أول من وضع مصنفا في علم الفراسة قبل كتاب الرازي أو الاعتراف لصاحب الفضلة فضيلة. كما دخل على أبقراطيس متخفيا فتعرف عليه.

50

وما زالت تظهر بعض المصطلحات المعربة مثل الأسطقسات مع الترجمات مثل الأركان الأربعة، العناصر الأربعة، الموسيقى، موسيقار، الكيموس، السوفسطائي، الماليخوليا، السكنجبين، الكوسج.

51

ومن الفرق يذكر الحكماء ثم الفلاسفة والأوائل والمتقدمون ثم القدماء والآخرون والأولون ثم الفيلسوف. ومن أسماء المؤلفات يحال إلى الأخلاق ثم إلى السماع الطبيعي وتدبير المنزل.

52

والقدماء دليل ومقياس. هم أهل الحكمة. لم يتركوا شيئا إلا وعرفوه، رضي الله عنهم. يسترشد بهم المحدثون، ويسأل عن قول أحدهم إن العالم أطول عمرا من الجاهل، وإن كان أقصر عمرا منه فطول عمر العالم بعلمه وآثره على الناس. فالحس التاريخي هنا يبين أن القدماء لم يتركوا للمحدثين شيئا. ويذكر المتقدمون في مقابل المتأخرين، وهو تدبير إلهي سمح بنقل الأخبار وحفظها. دون المتقدمون ونقل المتأخرون. وقد يتناقض ظاهر بعض أقوال المتقدمين مثل «المحتفل ملغي والمسترسل موقى».

53

وقد قال بعض الأوائل: العقل صديق مقطوع، والهوى عدو متبوع، كما يذكر الأولون والآخرون وهويتهم في النفس وما قيل من أعجب الأشياء: إكدار الوافر ومنال العاجز.

54

والحكماء مؤيدون للأنبياء بألفاظهم لتشبيهاتهم. ويستشهد الموروث بأقوالهم تأييدا من الأوائل للأواخر، يدعون إلى تطهير النفس، ويعرفون الله. وأطلقوا لفظ العلة على الباري تقدس اسمه، وعلى العقل والنفس والطبيعة كعلل ثانية وثالثة ورابعة. وميزوا بين العلل القريبة والعلل البعيدة. ويصور الحكماء التشوق إلى الشهوات مثل من أعتق فاشتاق إلى الرق أو من أفلت من السباع فاشتاق إليها. والمجتهد لعلوم الحكمة إنما يكون بالرياضيات (المنطق) والطبيعيات والإلهيات ثم الإنسانيات، النفس والعقل.

55

ويقرن الحكماء بالأنبياء، الحكماء من الوافد والأنبياء من الموروث، يؤديان إلى غاية واحدة. فلا فرق بين أخلاق الحكماء وشرائع الأنبياء. كلاهما تظهر من الهوى بالعقل. إنما يعادي الناس الحكمة، لاستعمالهم الألفاظ على الاتساع وخطأ فهمهم لها حرفيا. وليس صحيحا ما يروج من أن الحكماء جعلوا أنفسهم أعلى قدرا من الأنبياء.

56

وإن أقوال الحكماء في صفة الرجل العاقل العادل إنما نزل عليهم من الوحي القديم الذي أنزل الله على الإنسان منذ «اعرف نفسك بنفسك». ولا توجد عبارة أقصر ولا أبلغ منها. فما المانع أن يكون سقراط نبيا؟ وما المانع أن يكون حكماء كل قوم أنبياء هم

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير .

57

وهو نفس الحديث على لسان الرسول من عرف نفسه فقد عرف ربه تحويرا للمحور الأفقي إلى المحور الرأسي. وتعطي الأمثلة من أقوال الحكماء في النفس والعقل والخير والشر والصداقة والنفور من الخمر وأن الإنسان مدني بالطبع رواية عن الموروث مثل أبي زيد البلخي فالصديق هو الآخر، وهو الأنا ولكنه مغاير بالشخص. وهو تعريف صعب المنال. وإن لم يكن الأخ صديقا فهو نسيب بالجسم. وإن لم يكن الصديق أخا فهو نسيب بالروح. كما تحيل النفس الفاضلة إلى الصدق وتنفر من الكذب. وإن أعجب الأشياء السماء بكواكبها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٤٠