37
ويروي الموروث (الصابي) عن الوافد (الأوائل) أقوال أقرب إلى الموروث منها إلى الوافد، تتحدث عن الشكر والإقرار بالنعمة للمعبود في الضمير والنية والفعل. يتكون الضمير من النية والمحبة والطاعة. ويتكون القول من الثناء والدعاء والنشر. ويتكون الفعل من الصبر والسعي لرضاء المنعم، وقد يشير لفظ الأوائل إلى الموروث لأن الأقوال أقرب إلى الموروث منها إلى الوافد. وقد تكون وافدا منتحلا أي روح الموروث منسوبا إلى الوافد. وقد تكون ترجمات حرة لبعض أقوال الأوائل وهو الاحتمال الأبعد. والنسبة المطلقة إلى الأولين توحي بانتحال في ثقافة ترى أن السلف خير من الخلف، وأن الخلف أشر من السلف. والطبيعة والعقل مكان النفس، والباري محيط بالكل. ويستضيء الجسد من النفس كما يستضيء القمر من الشمس، وتستضيء النفس من العقل كما تستضيء النفس من النفس. وتستضيء الروح من الطبيعة كما يستضيء المركز من المحيط. ويستضيء العقل من العقل كما يستضيء العاشق من المعشوق. وهنا تبدو لغة الإشراق المعروفة في نظرية الفيض. وللعقل ثلاث جهات: جهة إلى ربه، وجهة إلى معقولاته، وجهة إلى ذاته إبرازا للبعد الإلهي بالإضافة إلى العقل والمعقولات مثل «من عرف نفسه فقد عرف ربه».
38
ويشير لفظ الحكماء إلى الموروث خاصة. فلفظ الحكمة قرآني. القومسي من الحكماء البينة لديه إدراك الشيء من جهة علته المحيطة به كما قال بعض بلغاء الحكمة، فالحكمة بلاغة، ولكل شيء علة تربط الجوهر بالأعراض، وتحرك الكواكب والأفلاك، وتباين العقول والأزمان، وتعرف الليالي والأيام، وهي وضع المهاد ومركز الأوتاد. كما يستعمل لفظ الفلاسفة بوجه عام دون تحديد لهم، وهم الفلاسفة الكبار، البررة الأخيار، يكثرون الخوض في معنى الإمكان، في شكل سؤال وجواب، وهو شكل الرواية الموروث.
39
أما الموروث فيتجاوز الوافد. وتعطي كثرة الأعلام من الموروث في «المقابسات» صورة للفكر والمفكرين في القرن الرابع وموضوعات النقاش والحوار، وصورة الفلسفة كحوار بين العلماء.
40
وإذا كان أرسطو قد أتى في مقدمة الموروث ثم يحيى بن عدي لا فرق بين مسلم ونصراني، فكلاهما يشاركان في ثقافة واحدة، ويبدو أبو سليمان الراوي الأول الذي يعتمد عليه نصف المقابسات.
41
والعجيب عدم ذكر أسماء الكندي والفارابي وابن سينا. ربما لم يكونوا فلاسفة الصالونات الأدبية والمنتديات الثقافية بل فلاسفة البلاط وحكماء الدواوين مثل فقهاء السلاطين، مفكرو السلطة في مقابل مفكري المعارضة، مع إنهم كانوا شعراء وأدباء وأطباء وموسيقيين وظرفاء، وفي المقابل يذكر أعلام الشيعة مما يدل على دورهم في تكوين الفكر الفلسفي في القرن الرابع. ويذكر المترجمون باعتبارهم فلاسفة مثل يحيى بن عدي مما يبين أن المترجمين لم يكونوا نقلة فحسب بل كانوا أيضا مبدعين، والعجيب عدم ذكر متى بن يونس وهو صاحب المناظرة الشهيرة مع الصيرافي في «الإبداع والمؤانسة». ويذكر أنبياء الشرق وحكماؤهم وملوكهم مثل أنو شروان، وماني المجوسي، وتبدو أهمية الأعلام أن اثنين منها أبو سليمان السجستاني في مناظرته مع ابن العميد وأبو الحسن العامري عنوانان في مقابستين. ويبدو التراكم الفلسفي في المقابسات في الإحالة إلى أبي يزيد البلخي وكتابه اختبار السيرة. ويذكر ثابت بن قرة على لسان الموروث عن الخرافات الأربع: عجائب البحر، حديث السحر، حديث العشق ، حديث الجن.
42
ويبدو التراكم الفلسفي في «المقابسات» في الإحالات إلى أعمال أخرى مثل في «النسك العقلي» للعامري، «وتدبير المنزل» وكتاب «الأخلاق» لمسكويه. كما تبدو وحدة فكر أبي حيان في الإحالة إلى «الهوامل والشوامل».
43
وتخلو «المقابسات» من الآيات والأحاديث في بيئة فيها الآيات والأحاديث المصدر الأول للمعرفة. بل تعتمد على العقل الخالص. فقد وصل التنظير للموروث إلى حد الاستغناء عن أصله ذاته، اعتمادا على العقل والتجربة تجربة الفرد وتجربة العصر. يوجد فقط تفسير جديد الحديث «أنتم أعلم بشئون دنياكم» للدنيا لا للدين.