تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

ومن الوافد ما زالت بعض المصطلحات المعربة مثل الهيولي. كما تذكر التسميات العامة مثل القدماء، الحكماء، الفلاسفة، الأوائل، الفيلسوف، يونان؛ إذ يروي ابن زرعة من كلام القدماء ما يتفق مع الموروث مثل دلالة العقل على الفضيلة كدلالة الجهل على الرذيلة دون الإشارة إلى سقراط. وكلام الأوائل منقول ومترجم، وهو في حاجة إلى تفصيل وشرح، مما يقتضي إعادة صياغته لمزيد من البرهنة وتعميم للفائدة. البداية هو الوافد، والوسط هو الموروث، والنهاية هو الواقع العملي من أجل توحيد الثقافتين بدلا من ازدواجيتهما ثم التوحيد بين الثقافة والواقع بدلا من عزلتها وانفصالها عنه. وهناك شيوخ عرضوا علوم الأوائل وهضموها وتمثلوا مثل أبي القاسم عيسى بن علي بن عيسى، وقد يكون لفظ الأوائل عاما للغاية بحيث يشمل الوافد والموروث بمعنى السابقين. فأبو بكر القومسي كان كبيرا في الأوائل مما يدل إلى الاحترام الشديد. علوم الأوائل مفهومة ومعروفة وليست صعبة ولا عويصة. ويمكن التسليم بها لمن يعرفها. فالعقل قاسم مشترك بين الوافد والموروث. وكثيرا من الأقوال المروية عن القدماء يقبلها العقل، ولا تعارض الوحي، وأقرب إلى العلوم الطبيعية مثل معرفة الدواب أولادها بالرائحة، ومعرفة الطير أفراخها بالألوان، ومعرفة الناس بالصورة. وتروى هذه الأقوال على لسان أبي سليمان، ويحكم عليها بالصواب والخطأ. وأحيانا يروي القول بلا تعليق. كما يروي أبو سليمان قول بعض الأوائل أن الحد يكون من الصورة والهيولي في حين أن الإيضاح يكون من الصورة والعلة ثم يحكم بصحته. وهو الصناعي خارج عن حد الطبيعي. فالصناعي يصدر عما له صورة نفسية بأداة روحية. فالطبيعة من الآلهة. ويكون المحرك مساكنا كالمغناطيس للحديد، والشهوة للبدن، وصياغة الرواية في شكل سؤال وجواب كما هو الحال في علم الأصول وفي أسلوب التساؤل القرآني.

35

وأهم الموضوعات التي تروى فيها الأقوال على لسان أبي سليمان في الموضوعات الإنسانية مثل العلم والعمل وهما حد الفلسفة، ولكل منهما ضدان. العلم بين الصدق والكذب، والعمل بين الخير والشر. والإنسان الذي لا يعمل بعلمه كشجرة مورقة لا تثمر. وهو تشبيه وارد في أساليب الموروث، والإنسان ليس العالم وهو في الوسط. قد يعلم بالمماثلة ويهبط بالمشاكلة. والبخيل والغني كالجبان والقوي، وهو تعريف يقوم على المشابهة. ويذكر موضوع القول إنه في السياسة والأخلاق. فالأقوال ليست متناثرة بل تنصب في موضوعات مثل ضرورة أن يكون لكل ذي سلطة تحصين العقل من العجب والوقار من الكبر والعفو من تفضيل الحدود، وتبدو مفاهيم الموروث في انتحال الوافد، إذ لا يمكن فصل الحق عن العدل. والنفس والعقل صورتان. والعلم علم فحص وعلم فكري مثل القياس. وإذا قويت الهيولي على النفس تظل النفس قادرة على التجرد والحرص، والفكرة تقع على المفقود والعلم يقع على الموجود، وتعلم العلوم الشريفة يؤدي إلى الإحساس بالنفس.

36

وأحيانا يتم استعمال الموروث التصحيح الوافد مثل ما رواه القومسي عن بعض الأوائل أن الرقي باطلة ودفاع الموروث عنها لأنها كلمات تدخل على الطبيعة فتشغلها عن عملها كما تشهد بذلك المشاهدة. فالوعيد يقطع العرق. ووصف الموت والحياة على أنه تحول في مزاج البدن زعم من القدماء وإغفال لموضوع النفس. وقد روى أبو سليمان قول بعض الطبائعيين أن منزلة الكواكب من الشمس منزلة الحديد من حجر المغناطيس. واعترض بعض الحاضرين بأن الحجة للدين. ورد أبو سليمان بأن كل من لا يعرف ما يجب عليه فلا يعرف. فللوافد أصله وللموروث أصله. وأحيانا أخرى يتم استعمال رأي الوافد لتصحيح الموروث خاصة ولو كان منفردا لا يتفق مع آراء موروثة أخرى أو مع رأي الأوائل مثل رأي أبو بكير في وجود فلكين دون فلك القمر هما سبب المد والجزر. فعند الأوائل البرهان على خطأ دعواه. وهو قول بلا برهان، وصورته القياس مخالف لرأي الأوائل. فالموروث أحيانا لا يرتفع إلى مستوى الوافد، وثقافة العامة لا تصل إلى مستوى ثقافة الخاصة، والنفس لا تصل إلى مستوى العقل، ولا الدين إلى مستوى الحكمة كما يقول العامري.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٣٧