29
ويعاد ذكر قول أفلاطون في نوع أدب إسلامي هو السؤال والجواب. السائل يسأل وأفلاطون يجيب كما هو الحال في أبواب المفتي والمستفتي وأحكام السؤال والجواب في علم الأصول وبطريقة الكتب المقدسة في حوار الأنبياء مع الحواريين والصحابة. وأحيانا تكون الرواية مزدوجة أو مثلثة. قال أبو حيان من إملاء أبي سليمان أو قال راو لأبي حيان أن أبا سليمان قال كما هو الحال في سلسلة الرواة في علم الحديث. فقد أصبح الوافد موروثا في سلاسل متداخلة، منقولا جيلا عن جيل بحيث لم يعد مطابقا بين الجيل الأول والجيل الثالث. وفي هذا الانتقالية تم التحول من النقل إلى الإبداع. ويذكر أفلاطون كعالم طبيعي يحتج به الموروث باعتباره تراثا علميا من الأسلاف. ففي البدن ثلاثة ينابيع، وفي كل ينبوع جداول تفيض في أقطار البدن. الكبد ينبوع الغذاء، والجداول عروق الدم لجميع الأعضاء، والقلب ينبوع الحياة، وجداوله العروق. والدماغ ينبوع الحس، وجداوله العصب، وهو نفس تصور إخوان الصفا.
30
ويذكر سقراط في رواية أبي سليمان مع غيره وليس بمفرده. فليس هناك وافد أولى من آخر. ويذكر الوافد عن طريق تداعي المعاني بعد أن أصبح حاضرا في الموروث ومحمولا عليه. وفي نفس الوقت يعطي الموروث مزيدا من التنظير العقلي والعمق الإنساني، ونقل مستواه من الطبيعيات، الحركة والمتحرك إلى الإلهيات، من الوافد إلى الموروث. ويذكر سقراطيس على نفس المنوال مرويا داخل الموروث في قوله عن إمكانيات تحول العناصر الأربعة إلى بعضها البعض عن طريق الحركة. فلو قبل الماء السكون كان أرضا، ولو قبلت الأرض السكون كانت ماء، ولو كان الهواء حاد الزاوية كان نارا، ولو كانت النار منفرجة الزاوية كانت هواء.
31
كما قرأ على أبي سليمان كلام أنبادقليس عن المحبة والغلبة. إذا استولت المحبة على الأجسام كان العالم كريا. وإذا استولت الغلبة كان العالم فاسدا مركبا من أسطقسات. فالوافد يعرض على الموروث، فيفسر أبو سليمان أن استيلاء المحبة بالقوى العقلية اعتزازا بحضارة العقل. وذكر أبو سليمان كلمات لبطليموس واستحسن قوله في الثمرة كالشذور المنتخبة والدرر الثمينة وبين الحاجة إليها في الفلسفة الإلهية والطبيعية لمعرفة واجب العقل. وهنا ينقل أبو سليمان مستوى الطبيعة لبطليموس إلى مستوى الإلهيات والتصوف. ويتكرر نفس النموذج. فأبو سليمان هو الراوي عن بطليموس، والموضوع، الاختيار والطبيعة إسلامي. ثم يشرح كاتب آل طولون الوافد بالموروث. فالوافد محاصر مرتين من البداية والنهاية تأكيدا للوافد ودفاعا عنه. وقال بطليموس قولين في الثمرة متشابهين يدلان على أنهما منتحلان أي من عمل الإبداع على لسان الوافد.
32
مهمة الموروث التحقق من صدق أقوال الحكماء ونسبتها لهم في التاريخ. فقد زعم بعض الأولين أن للجسد مواتا هو مقدار من مقادير المزاج ثم يكون حيوانا إذا تغيرت الهيئة والمزاج، وأن الطبائع الأربع كانت مقادير معتدلة في الحيوان القابل للحس ويكون البدن حيا. فإذا ما تغيرت هذه المقادير انقلبت وكانت مواتا. ومنهم من زعم أن البدن على قدر المزاج يحدث في البدن عرضا يكون حياة أو نفسا. وينسب هذا الزعم إلى زينون. وهو ظن زائف ورأي ضعيف في رأي الموروث. فالنفس مستقلة عن البدن. والبدن آلة لها. وهي موطن النطق والعلم والحكمة والبيان والفكر والاستنباط والعقل والنظر. وربما نسب هذا الرأي خطأ إلى زينون الشيخ اليوناني الذي جعله الفارابي معبرا عن الفلسفة الإشراقية، وهو زينون الرواقي. فإذا كان رأيه فإنه يكون منسوبا إلى زينون الإيلي.
33
وذكر قول فرفوريوس المفسر لأرسطو في كتاب النفس أن العقل النفساني إذا اتصل بالعقل الأول الخالص كان عقلا دائما، وإذا فارق البدن لزمته هذه الصفة. ويبطل الحس والنماء والتوهم ببطلان الجسم لأنها من أثر النفس فيه. ليس العقل من الجسم ولا من النفس بل النفس من أجله وهو صورتها وهو ما يتفق مع رأي الحكماء. ويذكر قول أبو قراط رواية عن القومسي رواية عن الأوائل أن الحمية ترك الشهوة. وأحيانا يكون الوافد هو الدافع على سؤال الموروث. فقد بلغ جالينوس في منافع الأعضاء حدا من الدقة بحيث يبدو وكأنه ملهم من الله وموحي إليه في وصفه للعين. فالوحي والعقل والطبيعة شيء واحد. والفرق أن جالينوس يجعل العلل تابعة للأشياء في حين أن الأشياء تابعة للعلل. ويسأل أبو حيان عيسى بن زرعة بحضور أبي علي وابن عبدان الطبيب عن الأشياء المدركة بالحس والعقل واتباعها العلل.