تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

وقد يذكر أرسطو بطريقة غير مشخصة، الفيلسوف الحكيم، انتقالا من الشخص إلى العالم في حده للصديق. فالصديق هو الآخر المتحد بالأنا إلا أنه بالشخص غير الأنا. ويناقش النوشجاني هذا الحد وينقده. الحد صحيح إلا أن المحدود غير موجود فلا داعي للتسرع لقبول حد أرسطو. فالعقل الذي به يتم الحد بين العقل الصوري والحسي والمادي، ولو كان العقل صوريا فقط لاكتفى بالأجناس والأنواع. والإنسان ذو مزاج وطبيعة، قد تتفق أو تختلف مع إنسان آخر. فالصداقة بمعنى الهوية بين الأنا والآخر لا وجود لها إلا بمنطق الهوية لا بمنطق الاختلاف. والهوية تؤدي إلى التبعية وهي خلاف الصداقة. لذلك كله حد الفيلسوف لا حقيقة له ولا دلاله عليه، ولا يطابق شيئا في الشاهد. وقد قصد بهذا الحد المبالغة في بيان الهوية الكاملة بين الصديقين من أجل شحذ الهمة والوصول إلى الغاية، وإن لم يطابق شيئا في الحس.

23

يتم عرض أرسطو من خلال النوشجاني وهو صاحب رأي مثل باقي الآراء، وهو رأي مثالي لا يطابق الحس، يعبر عن قصد ومثل وليس عن واقع ومشاهدة. وهنا تبدو مثالية الوافد وواقعية الموروث. ويبدو أرسطو موضوعا للتحليل والمناقشة والإكمال والإنقاص. وهنا يحاول الموروث أن يؤصل الوافد، ينقده ويبين حدوده، ويفسر غايته وبواعثه. ويتم التساؤل عن حدود هذا الحد للإجابة عليها من أجل تعميق حد الحكيم وفهم بواعثه. فلا يوجد فرق بين شرح أرسطو وتعقيله وبين الإبداع الخاص. الشرح والنقد والتحليل مرحلة متوسطة بين النقل والإبداع. وينقل عن الفيلسوف عدة أقوال إشراقية كما ينتقل عن غيره من الأوائل في موضوعات عقلية فلسفية فكرية خالصة مثل تعريف الذكر بأنه حركات الفكر على الوهم الجاري، وتعريف العقل بأنه لا يعني تمييزا له عن قوى النفس النامية والحسية.

24

وقد قرأ أبو حيان كتاب النفس للفيلسوف على أبي سليمان. فالوافد حدث ثقافي في الموروث، مجرد حدث أو مناسبة للحديث دون نقل ولكن بإبداع مباشر في موضوع النفس والأخلاق حتى المعاد والخلود. ويكمل الموضوع أبو يزيد البلخي في كتابة «اختيار السيرة».

25

ويذكر كتاب الفيلسوف «الخطابة». فالكتاب هو المقصود وليس الشخص، من خلال الموروث وهو اللغة العربية. فالمنطق اليوناني محمول، واللغة العربية حامل. ونظرا لارتباط المنطق باللغة فإن خصائص اللغة العربية تجعلها أولى بالمنطق اليوناني. ومن يقول ذلك هو الأعجمي أبو سليمان السجستاني، وهو نفس موضوع المناظرة بين السيرافي ومتى بن يونس.

26

ويذكر أفلاطون في رواية أبي حيان عن أبي سليمان في موضوع إسلامي وهو تعدد وجهات النظر في الموضوع الواحد. فلا يوجد صواب مطلق ولا خطأ مطلق في وجهات النظر الإنسانية. كل إنسان مصيب من جهة رأيه. ويضرب أفلاطون مثلا وهو انتحال إسلامي بفيل يتحسس كل إنسان جزءا ويحكم على الكل بما عرف من الجزء، طول الخرطوم أو استواء الظهر أو انبساط الأذن، وهو مثل يستحسنه أبو سليمان، يشير إلى تعدد طرق الاستدلال ضد التعصب والاستئثار بالرأي وأحادية الطرف.

27

ويتكرر نفس النموذج. إذ يذكر قول أفلاطون في رواية أبي حيان عن أبي بكر القومسي أن من لم يعرف الشر لم يعرف الخير. فالنقيض لا يعرف إلا بالنقيض. وهو موضوع إسلامي عند إخوان الصفا (إيجابا) ومحمد بن عبد الوهاب (سلبا)، موضوع الرقى والعزائم، ويوضع في سياق إسلامي، السؤال والجواب مثل أسباب النزول في علوم القرآن وأحكام السؤال والجواب في علم أصول الفقه. ويؤيد القومسي ما ذكره أفلاطون تأييدا للوحي بالعقل والتجربة.

28

ويذكر أفلاطون مرة ثالثة من خلال الموروث، علي بن عيسى، وليس مباشرة بعد أن تحول إلى وافد وموروث عن طريق المترجمين الوسطاء بين الوافد والموروث، النقل والإبداع. ويذكر أفلاطون مع غيره مثل سقراط وبطليموس وليس بشخصه كجزء من التراث اليوناني، والموضوع إسلامي خالص. الحكمة، نظرا وعملا. ويتكرر نفس النموذج مع اختلاف الإخراج. فقد يكون الراوي أبو سليمان، وسياق أفلاطون الطبيعيون الأوائل، والموضوع الإسلامي الفضيلة وسط بين طرفين. من اتصلت الحكمة بطباعة فتحتها وأخرجت منها أنواع البيان. امتلاك المنطق حلم، وامتلاك الغضب شجاعة، وامتلاك الشهرة عفة. ثم يدخل أبو حيان في مناقشات الوافد وينتصر لإحداها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٣٥