18
كما يذكر أرسطو من خلال الترجمتين، عيسى بن زرعة، بعد أن أصبح النص عربيا متاحا للجمهور، وجزءا من الثقافة العامة. فالإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، دوائر على مركزه، إلا أنه مشدود أيضا بطبيعته إلى أخلاق بهيمية. ومن ترك نفسه لها خرج عن أفقه. وهو نص مباشر لأرسطو يعلق عليه أبو حيان استحسانا. ويجد أنه يشابه الموروث في مواعظه وإرشاداته. يمكن أن يأتي بمثله الحسن البصري ومنصور بن عمار مع مخاطبة القارئ ودعوته إلى المشاركة في الحكم. فلا خلاف بين الوافد والموروث من حيث المضمون الأخلاقي، العقل اليوناني الخالص والعقل الإسلامي المطابق للوحي. بل إنها نوع من الفلسفة الخالدة التي يصل إليها العقل الإنساني بمفرده، وتوجد في حكمة كل الشعوب.
19
وتتم المقارنة بين الوافد، أرسطو، والموروث، المتكلمين، في طريقة البرهان. فقد أحسن أرسطو عرض الجدل وما به من تمويه ومغالطة بطريقة أفضل مما وصل إليه المتكلمون، اعترافا بالحق. فقد أكمل أرسطو ما تركه المتكلمون ناقصا كما يكمل الفلاسفة أحيانا ما يتركه أرسطو ناقصا، فالوافد والموروث يكملان بعضهما بعضا بنيويا وليس تاريخيا.
20
ويذكر أرسطو في نموذج آخر في موضع السؤال والجواب كما هو الحال في علم أصول الفقه في أبواب المفتي والمستفتي وأحكام السؤال والجواب. فيسأل أرسطو: لم لا تذكر العالم العلوي ومنه هبطنا إلى هذا العالم؟ وهو سؤال إشراقي صوفي موضوع يعبر عن الموروث أكثر مما يعبر عن الوافد. ويعطي فرصة لأرسطو الموروث فيلسوف الإشراق الصوفي. السؤال إبداع والإجابة إبداع من أرسطو المنتحل دون تحديد أي كتاب لأرسطو يتضمن هذه الإجابة. فالهبوط من العالم العلوي إلى العالم السفلي ليس سؤالا يونانيا بل سؤال صوفي إشراقي فارسي. ويجيب أرسطو مدافعا عن نفسه ضد السؤال-الاتهام بأن السبب في ذلك هو اختلاطنا بالمادة في العالم السفلي والعالم العلوي هو الدهر وكل الزمان، ماض وحاضر ومستقبل. بل كله حاضر في حين أنه في العالم السفلي هناك زمان، ماضي وحاضر ومستقبل. ومن ثم لزم تذكر الماضي في الحاضر. ويدل جمال الأسلوب وحسن العبارة على الانتحال، إبداع أرسطي دون أرسطو، والتعبير عن روح الحضارة الإسلامية من خلال روح أرسطو. ومع ذلك يمكن العودة إليه عن طريق التذكر على الطريقة الأفلاطونية، العلم تذكر والجهل نسيان. وتستمر الأقوال المنتحلة في هذا المعنى، وكان أرسطو الحكيم أصبح إشراقيا صوفيا. ثم يتم الاعتراض عليه بطريقة الفقهاء والمتكلمين بالسؤال عن حاجة النفس والعقل إلى العلة الأولى والإجابة عنه ببقاء العلوم. يدرك العقل الأولي الأشياء بالحدس، وكذلك العقل الثاني باتحاده بالعقل الأول. فإذا أعاقه شيء احتاج إلى التوسط بالحواس والوهم والأجسام. للعقل الإنساني طرفان، العقل الأول والوهم. فإذا مال إلى الوهم كان فكرا وروية. وإذا مال إلى العقل كان حدسا مباشرا. يبدو أرسطو هنا من أنصار الفيض، الله، فالعقل، فالنفس، فالمادة.
21
وقد حول الموروث علاقة الإسكندر بمعلمه أرسطو، كما تحولت العلاقة بين الإسكندر وأصدقائه، والإسكندر وأمه إلى علاقة مثالية بين الشيخ والمريد. وكلاهما أخذ لقب حكيم، فالإسكندر يراسل معلمه، يصف له ما رآه في الهند من الأمور العجيبة. ويناديه الإسكندر الحكيم أي المعلم الأبدي لا شخص أرسطو. ويروي له كيف أن صديقه فيلون أراد يعبر الخليج أولا مضحيا بنفسه وحتى لا يصاب الإسكندر بمكروه. فلما غرق فيلون جزع الإسكندر عليه، وكانت هذه الحادثة فرصة لأرسطو أن يتناول موضوع الصداقة والصديق، والعشق والمحبة، والمعرفة والعلم، والتوحيد والفتوة، والمروءة والعقل، والروح والرأي، والسعادة والغنى، والجود والظن، والوعد والوعيد، والحكمة والعالم، والدنيا والإنسان، والشريعة والوجود، ثقافة واحدة لا تمييز فيها بين الوافد الموروث، وبين العقل والنقل. فيها التوحيد والشريعة كما أن بها العقل والحكمة. يبين أبو حيان شيئا أشبه بالمناسبة التي فيها تحدث أرسطو، شيئا شبيها بأسباب النزول.