10
وتدل آثاره ومروياته ورسائله على أن التأليف كله في الموروث وليس في الوافد. وتكشف عن ثقافته في الآداب العربية والكلام خاصة الاعتزالي وتقريظه للجاحظ. ألف في النوادر التي تجمع بين الشكل الأدبي والمضمون الفلسفي. ولا يكاد يظهر أحد من اليونان إلا إقليدس في الهندسة والزندقة. وربما هي منتحلة نظرا لافترائها على الهندسة. ويبدو في كتاباته الحديث عن الحكام مدحا أو ذما. كما يتهم مسكويه بالحسد.
وعندما يكون الفكر تعبيرا عن أزمة شخصية وسيرة ذاتية بهم معرفة الترتيب الزماني للمؤلفات باعتبارها مؤشرات على مراحل حياته. ويسهل ذلك عن طريق الإحالة إلى باقي المؤلفات في كل مؤلف تأكيدا على وحدة المشروع الفلسفي، مثل الإشارة في «المقباسات» إلى «الهوامل والشوامل».
11
ولا يعني الترتيب الزماني إغفال البنية. فالمؤلفات كلها تعبر عن جوانب متعددة لنسق فلسفي واحد أو رؤية فلسفية متسقة «الصداقة والصديق» يجمع بين الأدب والأخلاق.
12
و«المقابسات» أكثر عمقا وفلسفة وإسهابا وبرهانا من «الهوامل والشوامل». وإذا كان أبو حيان قد وجهت إليه تهمة التكفير فلأن «المقابسات» تتضمن تعاطفا مع الفلاسفة. وبالرغم من نقد العصر وما به من نفاق، وبالرغم مما يشعر به أبو يحان من غربة إلا أنه أيضا يؤلف «الإمتاع والمؤانسة» للأمير.
13 (2) الوافد والموروث
وبالرغم من أن العرض الأدبي نوع أدبي واحد إلا أن عرض المؤلفات لمعرفة مكوناتها الثلاثة: الوافد والموروث وآليات الإبداع أفضل في التعرف على مسار علوم الحكمة من النقل إلى الإبداع بالرغم من تقطيع الموضوع وتجزئته. وإذا كان أرسطو ومدى ظهوره في الفكر الفلسفي مقياس الترتيب من الأكثر إلى الأقل يكون ترتيب المؤلفات طبقا لهذا المقياس: «المقابسات»، «الهوامل والشوامل»، «الصداقة والصديق»، «الإمتاع والمؤانسة»، «الإشارات الإلهية». وربما كان الترتيب البنيوي طبقا لنسبة حضور الفلسفة أكثر عن ترتيب المؤلفات طبقا لمدى حضور الوافد والموروث. باستثناء تبادل المواقع بين «الصداقة والصديق» و«الإشارات الإلهية».
14 (أ) المقابسات
وهو أكبر عمل يظهر فيه الوافد، عشرة أعلام يونانية، أرسطو، ثم أفلاطون، ثم الإسكندر وسقراط وفيلون أحد قواد الإسكندر، ثم بطليموس، ثم أنباذقليس وبقراط وجالينوس وزينون الفيلسوف وفرفوريوس الصوري.
15
ويتم التعامل مع الوافد من خلال رواية الموروث، إملاء أبي سليمان وليس من الوافد مباشرة. فقدم تمثله في الموروث وأصبح وافدا موروثا أو موروثا وافدا. وأبو حيان ذاته ليس مجرد راو بل هو فيلسوف أديب تمثل الوافد الموروث. واستطاع هو أيضا تحويله إلى موروث وافد، وتحويله خطوة من الوافد إلى الموروث. ويذكر أرسطو مع الأوائل وليس بمفرده أي كجزء من التاريخ العام وليس لحظة مقطوعة منه. ففي موضوع الخلاء وهو مكان عادم لجسم طبيعي بين النفي والإثبات يذكر أرسطو نموذجا للنفي مع آخرين نموذجا للإثبات في مقابل رأي ثالث يقول إنه معنى مثبوت في العالم به يكون الانقباض والانبساط، والتخلخل والتكاثف، والخفة والثقل، والطاقة والغلظة، والحركة والسكون. وهناك رأي رابع يثبته خارج العالم ولا نهاية لها، ثم يأخذ أبو سليمان وأبو حيان موقفا قد يكون مع أرسطو وقد يكون مناقضا له. فأرسطو هنا جزء من كل، رأى ضمن مجموعة من الآراء والموضوع طبيعي علمي مجرد وليس فقط إنسانيا أخلاقيا عمليا.
16
كما يذكر أرسطو في إطار النقل كتاريخ لبدايات الإبداع كما يفعل الوحي في قصص الأنبياء قبل خاتم النبوة.
17
فالطبيعة تدل على عدة معان تغطي جوانب الموضوع، وأرسطو مثل إحداها. طريقة العرض تنتسب إلى الموروث لأن الطبيعة اسم مشترك طبقا لمباحث الألفاظ عند الأصوليين. إذ تدل على أن لكل شيء عرضا أو جوهرا، بسيطا أو مركبا، وعلى المركب منهما، وعلى المزاج الأول اللاحق لكل مركب، وعلى المزاج المتنوع، وعلى المزاج العام عند الطبيب، وعلى المزاج الخاص عند الإنسان. ويدل عند أرسطو على المعنى عند الفيلسوف الطبيعي، مبدأ الحركة والسكون في الشيء بالذات لا بالعرض، وهو المركب من المادة والصورة. والأولى الصورة لأنها مبدأ الحركة والسكون كرد فعل على جعله المادة عند بعض القدماء، ثم يتحقق أبو سليمان وأبو حيان من صحة هذه المعاني لاختيار أحدها. فهناك إبداع أول في لحظة التمثل ووضع الوافد داخل الموروث. وهناك إبداع ثان في لحظة التحقق من صدق هذه المعاني، ومعيار التحقق مبادئ اللغة العربية وهو معيار موروث.