تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

ويستعمل أبو حيان الهزل في موطن الجد، والجد في موطن الهزل، وأسلوب السخرية. فالإمتاع والمؤانسة يقوم على جدل نفسي قبل أن يقوم على جدل عقلي.

6

يمتاز أسلوب أبي حيان بثلاثة أشياء ؛ الأول السجع من أجل موسيقى العبارة والقدرة على التعبير عن الفكر بأسلوب أدبي. ويتفق السجع وموسيقى العبارة مع الحالة النفسية وليس مع المعنى العقلي بالضرورة، وتصف العبارة الحركة كما هو الحال في الصورة المرئية. ومع ذلك لا يخلو أسلوبه من التأدب والافتعال والمحسنات اللفظية والتكلف والتزين باللفظ مما يدل على أهمية الجانب الأدبي. والثاني الشعر العربي كمصدر رئيسي. فينتشر الشعر للتعبير عن الرؤيا. يقيم البرهان، ويروي الخبر، ويستشهد بالحاضر والغائب وبقول المناقض، ويضرب المثل، ويأخذ ذلك مأخذ الجد لا الهزل دون عجمة. فإذا كان في النثر تكلف ففي الشعر صدق، والصدق أبلغ من الكذب، وافتعال الأسلوب لا يقنع. والثالث تصور الحياة العربية وأزمة العصر عن طريق رواية الأحداث قدر الجهد دون استبعاد إبداع الذاكرة وإكمال النقص، فالتاريخ تحكمه البنية، والموضوع يحكمه العقل، مع حرص على الفهم الموضوعي قدر الإمكان للحديث بأسلوب الأدباء ورؤية الحكماء ودون تحريف للروايات كما هو الحال في روايات القرآن والحديث. ويصور حياة «الأرستقراطيين» من علماء وفقهاء وأمراء ووزراء وخلفاء وفقهاء وحكماء ومتكلمين وسلاطين.

7

وله القدرة على رسم الشخصيات والتعبير عن تصورها للعالم وفي سلوكها وفي علاقاتها بالآخرين. فالمجوسي معجب ذميم، لا يعرف الوفاء، يباهي بدنياه وليس بآخرته. والنصراني أرعن خسيس لم يأت بخير في نظر أو عمل، منهمك في اللذات، وثالث مغرور يرى أنه لولا رأيه ومشورته لكان كل شيء خرابا شريرا، ويدعي كل الخير لنفسه. ويقارن بين أخلاق العصر، ما يتفق معها وما يختلف.

8

ومنهج التأليف هو استدعاء الذكريات أو الإملاء، وفي الذاكرة يتوحد الواقع والخيال، الحدث والصورة، الموضوعي والذاتي، التاريخ والأدب، ويتفاعل الماضي مع الحاضر، الجزء مع الكل، الرواية والقص، النقل والإبداع. لذلك يصعب معرفة إذا كانت «المقابسات» من إملاء أبي سليمان أم أن التوحيدي كانت لديه مذكرات اعتمد عليها في كتابته ولم يروها شفاها، قد تكون مؤلفاته جمعا لا تأليفا، والجمع إحدى مراحل التحول من النقل إلى الإبداع عن طريق العرض النسقي المنطقي (ابن سينا) أو النسقي الشعبي (إخوان الصفا) أو الأدبي (أبو حيان) أو حكمة الشعوب ومأثوراتها (مسكويه). وقد يكون مقياس الاختيار للعروض وتبويبه تأليفا غير مباشر. فالمناظرة الشهيرة بين أبي سعيد السيرافي اللغوي ومتى بن يونس المنطقي حقيقة أم خيال؟ واقع أم مثال؟ تاريخ أم بنية؟ وفي كلتا الحالتين لا تقل البنية واقعية عن التاريخ لأنها تكشف عن إشكال حقيقي فعلي، إشكال الوافد والموروث. لا ينقل أبو حيان فقط عن القدماء بل يتجاوزهم نقدا وتطويرا. البداية بالتاريخ والنهاية بالفكر. البداية بالنقل والنهاية بالإبداع. يعيد بناء الواقع التاريخي بناء للفكر، لذلك لا تهم تاريخية الوافد أو الموروث بل دلالته. وقد تنتقل الدلالة إلى حدث آخر دون أن يكون في ذلك تعارض مع التاريخ. لذلك غلب أسلوب الرواية «قيل» و«قال». ليست الغاية من الرواية السرد بل الكشف عن الدلالة زيادة أو نقصانا في الرواية.

9

وتمثل عناوين مؤلفات أبي حيان نوعا من الجماليات والإيقاع الثنائي يعبر عن ثنائية التوحيد عند الصوفية وأحوالهم: الإشارات الإلهية، الإمتاع والمؤانسة، البصائر والذخائر، الصداقة والصديق، الهوامل والشوامل في مقابل عناوين أحادية اللفظ مثل المقابسات. وتعبر هذه الثنائيات عن صراع حاد بين الحق والباطل، المعارضة والسلطة، الصدق والكذب، الضمير والعصر. وكل كتاب له مناسبة تتضح من العنوان. «الصداقة والصديق» أقوال ومساجلات تم تدوينها إلى الوزير. ويتضح فيها الدفاع عن النظام والمتكلمين دفاعا عن الانفتاح على ثقافة العصر. وربما كان لهذا الإيقاع الثنائي أثر على صياغة «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٣٢