وفي رسالة الجامعة يأتي آدم أولا ثم المسيح، عيسى، عيسى ابن مريم قبل موسى مما يدل على النزعة الصوفية الإشراقية للرسائل.
253
ثم يأتي سليمان ونوح وإدريس وإبراهيم وكلهم من الأنبياء والحكماء الإشراقيين. فآدم من أولي العزم من الرسل مع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. وكل نبوة تنتسب إليه. وهو أول مخلوق مركب من المادة والصورة، أبو البشر، وإذا كان الله قد اصطفى موسى لنفسه فإنه خلق آدم بيده، وحواء أم البشر. آدم والطبيعة والنبوة بداية واحدة. آدم فان لأن جسمه ذو طبائع متضادة. وكانت الملائكة قبل خلق آدم أشخاصا روحانيين. وهو خليفة الله في الأرض. كل شيء في الأرض مسخر له، الحيوان والطبيعة حتى ولو أتعب الحيوان. وعلم الله آدم الأسماء كلها وأمره أن يعلم الملائكة. والعلوم ثلاثة أصول وجوامع وفروع، شريعة وصناعة وملكة، آدم ونوح وإبراهيم، فآدم من أصول المعرفة. علم الله آدم الأسماء كلها وأمره أن يعلم الملائكة. ودعوته مثل دعوة المسيح تقوم على ضرب الأمثال. فآدم في كل نبي.
254
ولما كان لكل نبي عدو ورفيق فإن عدو آدم هو إبليس منذ خطيئة آدم، وقد تاب وغفر الله له بالكلمات التي تلقاها، مكتوبة بنور القدرة. ولم يظهر إبليس لآدم إلا في صورة النسبة. ورفض إبليس السجود له رفضا لكرامة الإنسان. ولقد عرف الله نفسه للبشر من خلال قصة آدم، وكان إبليس يركله على باب الجنة. لذلك تعني إبليس اشتقاقا المتحير والمتوقف. والعداوة مركبة في البشر منذ عداوة إبليس لآدم، وقابيل لهابيل، وجبار قوم لإدريس، وفرعون لموسى، والنمرود الإبراهيم. آدم يمثل النفس الناطقة وإبليس النفس الشهوانية. وكان حب استطلاع آدم هو سبب الخطيئة، حب الرياسة والاطلاع على ما نهى عنه. لقد اشتاقت نفس آدم للمجهول. لذلك جاءته شريعة ضيقة العلم، حرجة التكليف، قليلة الخيرات، عقوبة له.
255
ولكل نبي رفيق، هارون لموسى، وعلي لمحمد. ولكن تحليل الأعداء يغلب على تحليل الأصدقاء. ويضم الأعداء معا الجبابرة والفراعنة والنماردة، فرعون وهامان وقارون وجالوت ونمرود ومن يتبعهم من المتغلبين على الملك والرياسة ظلما وعتوا بغير حق، في مجالس لم يستحقوها بأعمال ولا علوم. وهنا يبدو الرمز السياسي الأسطوري للواقع السياسي. وقد استذل جماعة المتكبرين جماعة المؤمنين كما فعل فرعون بآل إسرائيل، والإنس للحيوان، والجن للإنس، وبختنصر لآل داود، وآل تبع، وآل حمير، وآل يونان، وآل ساسان، وآل أردشير، وآل عدنان، ونجاة الله الخيرين، وهلاك الأشرار.
وتلك الأيام نداولها بين الناس . فالأيام دول. ويبدو آل يونان أشرارا وآل ساسان أخيارا، وكان هوى الإخوان مع الفرس ضد اليونان. فاليونان بلغة العصر مستعمرون سياسيا وإن كانوا حكماء فلسفيا. وإذا كان الأخيار في الجنان فإن إبليس والشيطان وفرعون وهامان ومالك الغضبان كلهم في النار. فآدم له دوره في التاريخ، مرحلة من مراحله بعد نجاته وهلاك عدوه. وأول من استخلف على دور الستر فانكشفت عورته، وبعث العلوم، وأخرجها من السر إلى العلن. وحواء بقية دور الكشف. ولآدم دور آخر عند شجرة سدرة المنتهي إذا بدأ دور السعادة بظهور النفس الزكية في يوم العرض الثاني إذا تجلت النفس الكلية. فالإقامة رتق للفتق، وإصلاح للخطأ، ورفع للسقوط. ولقد أعلم الله آدم ما أخفى عنه. سكون الأرض نعمة وكرامة مثل تأييده بالإلهام والوحي، وإقامة الشريعة، والسجود لله، والعمل بالجسم، وإظهار الصنائع، وكثرة الأولاد، واتساع الدعوة.
256
الأنبياء جزء من فلسفة التاريخ وبقرانات الأدوار في الفكر الشيعي كما بدأ عند السجستاني، تحول تاريخ الأديان إلى فلسفة في التاريخ القائم على التحليل النفسي، وقراءة الحاضر في الماضي، والماضي في الحاضر.