تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصعب التمييز بين آيات المنطق والطبيعيات والإلهيات. فكلها آيات إشراقية، منطق إشراقي، وطبيعيات إشراقية، وإلهيات إشراقية. تصب الحكمة كلها في إشراق النفس. المنطق ليس أداة للعلم لأن العلم إشراقي وأداته إشراقية. يأتي من الإسراء والمعراج كما فعل محمد ومن الكلام من الله كما فعل موسى،

يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات . المنطق علم إشراقي، علم نظري خالص، نور يهدي الإنسان، علم لدني من السماء. شرطه الزهد ومقاومة متاع الدنيا والتحذير من غرورها واللهو والزينة واللعب والنساء والبنين والذهب والفضة، هذا الهشيم الذي تذروه الرياح. الله نور السموات والأرض، نوره كمشكاة فيها مصباح في زجاجة، كوكب دري يضيء. الإشراق في النفس طبيعي لأن الله نور الطبيعة على عكس النفس المظلمة التي تعيش في الظلمات. وقد كانت النفس من قبل هبوطها إلى البدن في إشراقها ثم هبطت إلى العالم وأصبحت في جسد، فسادتها الأهواء والعداوات. وهنا تنال النفوس المضيئة نعيمها، والنفوس المظلمة عذابها بلا عمل صالح إلا مجاهدة النفس مكافأة على الإشراق.

110

العلم إذن هو العلم الرباني، شرح الله الصدر للإسلام، النور في المشكاة في المصباح على عكس الكافر الذي يسعى في الظلمات. والإيمان يورث العلم، الإيمان أولا والعلم ثانيا. الإقرار فالتصديق فالعلم والعمل هو طريق الأنبياء والحكماء. الإقرار ثم الإيمان ثم المعرفة الإسلام ثم التصديق ثم العقل. فالناس ثلاث طبقات؛ علم وإيمان، إيمان بلا علم، علم بلا إيمان. فالعلماء على درجات طبقا لعلومهم، أعلاها علم الإيمان، والكتاب فضل من الله، وهو ثلاث درجات؛ ظلم النفس والاقتضاء ثم السبق بالخيرات وهو علم متاع في الدنيا إلى يوم البعث. وهو العلم بالغيب مع أهل الاعتبار.

111

والعلم في النفس، ويتم عند البلوغ ونيل الحكمة، والعلم أول ما نزل من القرآن، ولقد خلقت السمع والأبصار والأفئدة والقلوب والأذان لمعرفة الظاهر والباطن. وقد خلق الإنسان ولا يعلم شيئا من أجل تبرير الوحي والرسالة. ثم تبدأ المعرفة من الحواس ولكن فيها علم آخر مودع فيها لم يأت من الحواس. هو علم التوحيد والربوبية يكشف الله عنه لعباده عندما يأتيهم اليقين. وهو علم تأويل الأحاديث الذي أعطاه الله ليوسف. وهو أيضا علم التنزيه لأنه بعد الوصول لا يمكن رؤية الله بالرغم من تشوق العلماء لرؤيته.

112

ويتطور العلم مع تطور النفس. لا يعلم الطفل شيئا حتى يتم اكتشاف العلم ثم يصل إلى مرتبة العلم والحكمة، وعندما تكون على البصر غشاوة ويسود الهوى لا يحدث العلم.

113

وقد يحدث العلم عن طريق الاستدلال كما فعل إبراهيم وهو طريق النظر والاختصاص. أما الجدل في الدين والخصومة في الحق فليس طريقا إلى المعرفة. الخلافيات جزء من علم الأصول. وتضاد الإشراق.

114

وتتفاوت العقول في المعرفة بالدليل الحسي والعقلي والنقلي طبقا لدرجات الإدراك والفهم والتأويل.

وكما أن التدوين واللغة والمنطق تعليم من الله كذلك السماع الطبيعي أيضا تعليم من الله. إذ تتجلى الحكمة الإلهية في الطبيعة، الليل والنهار، الشمس والقمر. فقد تم الخلق بالحق، والحكمة شهد بها أولوا العلم والملائكة، والتوجه نحو الطبيعة في القرآن هو أساس العلم الطبيعي وليس أرسطو. ولا فرق بين أن يكون القرآن مصدرا للطبيعة وبين أن تكون الطبيعة مصدرا للقرآن نظرا؛ لأن التنزيل والتأويل شيء واحد. والعالم محدث مبدع مخترع كائن بعد أن لم يكن بأمر كن، والأفلاك والجبال والطيور وكل ما في الخلق بتقديره. فالطبيعة دليل إلى الله. وتم خلق كل شيء بمقدار على قدر موزون. ولما كان الله هو المثل الأعلى فقد خلق كل شيء على نحو كامل.

115

ويتم الاستشهاد بآيات الكون والفلك والطبيعة تدعيما للطبيعيات. كل فلك يسبح، والقمر له منازل. وفي القرآن دعوة للتأمل في الكون؛ إذ لا يستوي العلم والجهل. وتذكر آيات الأفلاك في فصل تركيب الأفلاك وأطباق السموات في الرسالة الأولى عن الصورة والهيولي (السماع الطبيعي) ولتأييد «الآثار العلوية»، وتبين الخطأ الشائع أن المطر نزل من بحر من السماء وأن البرد يقع من الجبال. ويتم تصحيح سوء تأويل القرآن ووضع التأويل الصحيح. فالغرض ليس وافدا من أرسطو في «الآثار العلوية» بل قصد محلي صرف، هو تصحيح الأخطاء الشائعة والتأويلات الخاطئة اعتمادا على اللغة العربية والمعاني الاشتقاقية. فالسماء في لغة العرب ما يعلو الرأس، والمطر ما نزل من السحاب، ويعني أيضا السماء لارتفاعها. كما يظن الناس خطأ أن الشهب كواكب تسقط من السماء على الأرض، ويسيئون تأويل القرآن. ويستعمل الإخوان اللغة الشائعة للبرهنة على سوء التأويل؛ فالشهب تحدث في السماء بإشراق الكواكب. فالإشراق ليس فقط نفسيا بل طبيعيا.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٠١