تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ارتبط الفكر الشيعي بتاريخ الأديان المقارن نظرا لبحثه عن الأصول الأولى التي يمكن أن يستند إليها في مواجهة أهل السنة. فالأنبياء أقوى من الخلفاء والأمراء، والأئمة ورثة الأنبياء. وفي قصص الأنبياء وانتصارهم على خصومهم خير شاهد على انتصار أئمة آل البيت وهم من نسل الأنبياء على خصومهم في السلطة، مثل انتصار موسى على فرعون. وتاريخ الأنبياء يصب كله في غاية واحدة، انتصار الحق على الباطل، والعدل على الظلم في مقابل حديث «الفرقة الناجية» وجعل أهل السنة هم أهل الاستقامة والحديث، الفرقة الناجية وكما فعل السجستاني في «إثبات النبوات». ولا ينفصل تاريخ الأديان المقارن عن فلسفة الدين نظرا لأن جوهر الأديان واحد، ويرجع الخلاف بينها في التصورات واللغات وأشكال الشعائر وليس في التوحيد أو العدل، وهي الأصول العقلية التي يقوم عليها كل دين.

وقد لجأ الشيعة لتاريخ الأديان لعدة أسباب منها: (1)

البحث عن العمق التاريخي لزعزعة النظام السياسي الحاضر، في ثقافات الشعوب التي تحولت إلى الإسلام، اعتمادا على الثقافات الوطنية للشعوب، خاصة وأن الثقافة الوافدة كانت أحد عناصر ثقافة البلاط.

35

فلا يقوى على الحاضر إلا الماضي. ولا يزحزح النظام الاجتماعي إلا التراكم التاريخي. (2)

الحاجة إلى ثقافات جديدة تساعد على التأويل من أجل نزع الشرعية عن تأويل السلطة. وتاريخ الأديان أكبر رصيد لتأويلات الفرق ولتجارب الأمم السابقة. (3)

البحث عن تصورات جديدة لبناء عالم ثقافي جديد يشعر فيه الناس بالسعادة خارج العالم الأرضي الذي تسيطر عليه دولة الظلم، وبالتالي إنشاء مدينة فاضلة جديدة بل وفرق تمارسها مثل إخوان الصفا.

وتاريخ الأديان مصدر داخلي موروث من تاريخ العرب قبل الإسلام في العصر الجاهلي مثل ديانات العرب أو اليهودية والنصرانية أو ما وجد منها في فارس قبل الإسلام بعد أن فتحها المسلمون أو بعد الإسلام مثل الفرق الإسلامية بما في ذلك فرق الشيعة أو المتنبئون. وهي ديانات وثقافات الشعوب التي دخلت الإسلام، عربية أو عجمية والتي سميت في كتب المقالات الفرق غير الإسلامية. فهي أقرب إلى الموروث منها إلى الوافد بما في ذلك الموروث الفارسي. بل إن الوافد اليوناني يعتبر موروثا عربيا في الشام بعد أن تم نقله إلى السريانية. ولما فتحت الشام أصبح موروثا ثقافيا عربيا مثل ديانات فارس وديانات العرب قبل الإسلام.

36

تاريخ الأديان مصدر داخلي للفكر الفلسفي الشيعي وليس مصدرا خارجيا نظرا لاعتمادهم على الموروث الثقافي الشعبي. والثقافة الشعبية أقرب إلى الجماهير من ثقافة الخاصة، ثقافة البلاط التي ساد فيها الوافد اليوناني. ومن السهل تثوير الثقافة الشعبية، الموروث الديني لأنها حية في قلوب الناس ضد ثقافة الخاصة، الوافد اليوناني. فالفرق غير الإسلامية بتعبير علم الكلام هي فرق إسلامية بمعنى أنها نشأت في بيئة إسلامية وعلى اتصال تاريخي بالإسلام مثل الصابئة، دين آل إبراهيم، واليهودية، والنصرانية، وديانات العرب قبل الإسلام، وديانات فارس. ولم يكن للروم ديانات في شبه الجزيرة العربية غير النصرانية.

ويمكن التمييز بين سبع فرق على الأكثر: (1)

الديانات الفارسية مثل الثنوية، والمجوسية عبدة النيران، والزرادشتية والبهافريذية، والمزدكية. (2)

الديانات العربية قبل الإسلام مثل الصابئة أي عبادة الكواكب، وعبادة الأصنام والآثار أي الشرك. (3)

اليهودية وفرقها وكتبها المقدسة. (4)

النصرانية وفرقها مثل الديصانية والمرقونية. (5)

الفرق الإسلامية مثل المرجئة، والجهمية، والتناسخية، والقدرية، والرافضة، والحرورية، والحنفية، ويحكمها جميعا الفعل ورد الفعل. (6)

الشيعة وفرقها مثل العلوية وأئمتها علي بن أبي طالب، وجعفر الصادق، وعلي زين العابدين. (7)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٩٦