المتنبئة مثل مسيلمة، وطلحة، والقطري.
37
وإذا كانت النبوة مقياس التصنيف تصبح الملل عند السجستاني أربعا: اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والإسلام، ثم تختلف بعد ذلك في الأنواع الدينية. وهنا تبدو الديانات والثقافة الوطنية في فارس القديمة كأحد مكونات الفكر الفلسفي عند الشيعة.
كما يظهر التشيع في جعل القائم هو الذي يفصل بين الفرق الإسلامية وليس العقل أو الواقع أي المصالح العامة لما كان النقل مختلفا عليه. وكلهم إلى رسول الله منتسب، استبدال سلطة بسلطة، سلطة المعارضة بسلطة الدولة السنية، إمام الشيعة بفقيه السلطان.
وكما أن عند أهل السنة حديث الفرقة الناجية الذي يجعل فرق الأمة الاثنين وسبعين كلها ضالة باستثناء واحدة منها الثالثة والسبعين هي الناجية وهي فرقة السلطان يبين الشيعة أن فرقتهم هي أيضا الناجية لأن السعادة والعز والرئاسة لا تكون إلا من جهة الرسل، ولا يوجد علم إلا من جهة الرسل، وإن رؤساء العالم كلهم الذين بأيديهم الأحكام والملك جارون تحت أحكامهم، براهمة وسوابدة وأساقفة وجواليت وعلماء وفقهاء.
وتتراتب الملل والشرائع فيما بينها على هيئة الأنواع والأجناس مثل الملل الست. ويتم الانتقال من الطبيعة إلى الشريعة، ومن الشريعة إلى الطبيعة، من الخارج إلى الداخل، ومن الداخل إلى الخارج. فالحق بالحق، وإقامة الحدود بالحق للخلق. الخلق والحد يقومان على أصل واحد وهو الحق.
والرسالة عقل له حدود أربعة مثل الجهات الأربع، الشرق والغرب والشمال والجنوب. حدها الغربي خصوص الرسالة بتأييد السابق. وحدها الشرقي ما اطلع على سرائر التراكيب. ومن شمالها تأليف الشريعة. ومن جنوبها إقامة الأساس للتأويل.
38 (أ) الثنوية
وهو اللفظ الجامع لكل ديانات فارس التي تقوم على الثنائية المتضادة بين الخير والشر، النور والظلمة، الحق والباطل. ويعرضها السجستاني مع نقد لها ورفض لعقائدها دفاعا عن التوحيد، ورفضا لانتصار الخير على الشر أو لمساواة الشر للخير أو للوجود وليس التوحيد الذي يجعل الخير هو الأصل والشر طارئا عليه من فعل الإنسان وسوء حكمه وتقديره واتباع أهوائه وغوايته كما حدث لآدم. ويتم تفريع فرق الثنوية على هذا الأساس ورفضها جميعا، وضع الشر في مقابل الخير على حد المساواة مثل الثنوية، أو جعل الشر (الهرمزد) هو الأصل وليس الخير (الأهرمن) مثل المجوس، أو إضافة الشر إلى المبدع وجعله أزليا مع الخير مثل الهافريدية. وهلاك الشر بالخير ممتنع لأن الشيء الأزلي لا يهلك. فوقع الدين كله كمذهب فلسفي في تناقض.
وتشارك فرق الثنوية الديانات الأخرى في بعض العقائد والشعائر مثل أسماء الله والحج. إذ يذكر المسلمون والنصارى واليهود والمجوس والصابئة أسماء الله ويدعونه بها. ولكنهم عرفوا الظاهر دون الباطن، والاسم دون المعنى، والمثل دون الممثول. والحج في الإسلام قصد بيت الله الحرام مثل بيت المقدس عند اليهود والنصارى، وبيوت النيران عند المجوس، وهياكل الأصنام لعبدة الأوثان. والصيام عند المسلمين واليهود والنصارى والزمزمة للمجوس.
39
ويعترض السجستاني على هذه الديانات بأنها ديانات طبيعية وليست ديانات وحي ما دامت الحجة في الدين تبعية القوم الكثير لرؤساء الملل. ولا يعتبر السجستاني ماني وزرادشت وبها فريد ومزدك وديصان ومرقون وغيرهم أنبياء أو رسلا. بل هم من المتنبئين. لم يتنبهوا إلى شيء باستثناء زرادشت الذي وضع كتبا في عمارة هذا العالم يميل فيها إلى الشهوات الحسية، ويؤجر عليها صاحبها ويثاب. فإذا ما انتشرت هذه الدعوة أتت بالفضائح وأدت إليها. الرسالة إذن نوعان: نوع مخترع وكاذب ومبتدع مثل ديانات هؤلاء، ونوع صادق مثل دين الإسلام لولا أنه انحرف على أيدي أهل السنة وجاء الشيعة لتصحيحه. ديانات الطبيعة باطلة، وديانات الوحي حقة، وكأن الدين الطبيعي خال من العقل والفضيلة، والوحي نفسه يقوم على العقل والفطرة أي الطبيعة. في حين أن أهل السنة يضمون فلاسفة اليونان إلى زمرة الأنبياء