تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وكما أن الأئمة ورثة الأنبياء فإن النطقاء ورثة الأئمة. وكما أن لكل نبي إماما فإن لكل إمام ناطقا. والدليل على أن الزمان على حد الناطق ومضاف إليه اتفاق الناس على القول بالزمان الصالح والزمان الفاسد. ليس المراد بالفاسد حدة مرور الشمس والقمر والحركات العلوية لأنها طبيعية وليست أخلاقا، موضوعا وليست وصفا بشريا، ولكن المراد ظهور الناطق في العالم الجسماني الذي به صلاح النفس في معادها، والزمان الفاسد ظهور الضعف الذي يصد الناس، وهو فساد الأنفس في معادها. وهو معنى إشارة الرسول إلى استدارة الزمان كالهيئة وقت خلق السموات والأرض أي ظهور حده وشريعته وتنزيله الذي يجمع حدود الخلق، وخلق التراكيب. هناك تبادل بين الطبيعة والشريعة، بين الكون والإمامة، بين أدوار الأنبياء ودورات الأفلاك. وكلاهما في الزمان.

ويستمر النطقاء في الآخرة كما كانوا في منزلتهم في الدنيا. القائم هو الذي يثيب ويعاقب، الثواب الأكبر والعذاب الأكبر. واليوم المعلوم يوم ظهور القائم في الصور الروحانية في النفخة الثانية يوم فصل القضاء. ثم يظهر أهل المقامات حتى توفى كل نفس ما كسبت دون ظلم. وهو ما تقوله المسيحية في المسيح الذي يحاسب ويعاقب أيضا في الآخرة. فالظلم الذي وقع على الإمام وعلى المسيح واستشهادهما ومصيرهما واحد.

وتنتهي النبوة والوصاية والولاية والإمامة تبدأ. النبوة للماضي والولاية للمستقبل حسب زمن الأفعال في اللغة العربية. تعني نهاية النبوة وختمها أن الشريعة لا تنسخ ولا تتبدل ومع ذلك باقية في عقبه بتفويض من النبي إلى الولي. وهو ما يتناقض مع مسئولية العالم في الحفاظ على تطبيق الشريعة وبصرف النظر عن عقبه ونسبه.

32

ويكون التأويل تحيينا أي تطبيقا للنص على الأئمة، علي وبنيه، كنوع من تحقيق المناط في علم أصول الفقه. الواقع في أزمة، والأئمة مضطهدون ومستبعدون. ومن ثم يأتي النص تحريرا لهم وتأكيدا على سلطتهم. الأنفس في القرآن تشير إلى النطقاء السبعة، والمهدي وهو أحدهم هو المسجد الأقصى الذي يعبد فيه الله كما هو الحال عند اليهود. فالاضطهاد والتفوق بنية نفسية واحد للمظلوم والظالم. وقد يكون التعيين للأماكن كما هو للأشخاص. فالأئمة أصحاب القدس. قلة مؤمنة، أفضل الخلائق. التأويل يرد النص إلى الذات لإثباتها والدفاع عن حقوقها وكأنها هي سبب نزول النص، ولزعزعة الشرعية عن الذي يعتمد على نفس النص. الغاية تفريغ النص من مضمونه القديم وملته بمضمون جديد يقوم التأويل على تحقيق المناط، علي وبنوه.

وتؤول الطبيعة أيضا على الأئمة. فالجوار المنشآت في البحر كالأعلام لا تعني الألواح والسفن بل ما قاله جعفر بن محمد من ضرورة الخلف للسلف، والإمامة للنبوة، والصامت للناطق والأساس للقائم. وتقوم حركة التأويل على تحويل مسار الآية إما إلى الوراء إلى الأئمة أو إلى الأمام نهاية العالم، والإمام المنتظر، أو إلى أعلى، عالم الأجرام السماوية والكون أو إلى أسفل والطبيعة. الآية ممثل في حاجة إلى ممثول.

والسؤال هو: هل التأويل يأتي من داخل النص موضوعيا أم من خارجه ذاتيا ويتم ملء النص به؟ وتتوقف الإجابة على تصور النص هل هو شكل أو مضمون؟ هل مهمة المفسر إخراج المضمون من النص أم أن النص مجرد شكل يأتي مضمونه من الخارج كما تفعل الشيعة صراحة وربما السنة ضمنا بدعوى موضوعية التفسير طبقا لأسباب النزول وقواعد اللغة العربية. وقد قيلت مثل هذه الأحاديث في عديد من الصحابة. كانت إعادة الرسول مدح أصحابه ثم يتم تحقيق المناط في الشخص إذا كان الحديث عاما عن المسئولية بعد النبوة. وإن أشار الرسول إلى شخص من خارج البيت فإنه يشير إلى الحد الجليل والنفس المستودعة في دور القائم.

ويتم تفصيص آية النور بنفس الطريقة. فالله نور السموات والأرض جمعت دور محمد وشجرة النبوة التي تمتد من الحدين العلويين حتى شجرة طوبى فسدرة المنتهى. والزيتونة المباركة القائمة بالحروف الروحانية والحدود الجرمانية والجسمانية. والنور هو الناطق والأساس. والمشكاة في المصباح هي الوصية. والمصباح في زجاجة أي سر النفس في النفس الكلية، ويوقد أي ما ظهر أي ما يوقد من فاطمة وولدها إلى القائم. والشجرة التي لا هي شرقية ولا غربية بل كونية إلهية قدسية أزلية تجمع النطقاء والأسس والأئمة واللواحق والأجنحة والمأذونين والمستجيبين. والمشكاة ظهور الشمس. والمصباح المضيء اسم النبي والقنديل الزجاجي كنية عن إسماعيل. والكوكب الدري عبد المطلب. أما السابع فهو القادم من المغرب صاحب الهجرة المصرية، الإمام المعز لدين الله الفاطمي. وينتهي الأمر إلى تبرير السلاطين والحكام وكأن القرآن قد ذكره وقد أتى بعد نزوله، وبالتالي يمكن تطبيق الآيات على كل إمام. ويمكن كما فعل البعض في جعل رزق

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٩٤