وفي المعاد يتحقق قانون الاستحقاق المشهور عند المعتزلة. فمن فضائل البشر إرسال الرسل. ولهم فضائل سبع منها القصاص، ومحبة أصحاب النواميس، والبقاء، والحساب والثواب، وإحاطة أهله بما فيه أهل العقاب. وكلها أقرب إلى الواجبات العقلية عند المعتزلة إذ يتوقف حسن المعاد في الآخرة على صفات النفس في الدنيا. وثنائية الخير والشر في المعاد تؤكد على التفاوت في الخلق. فالمعاد ليس فقط على الأعمال بل على الطبائع والمخلوقات، لا فرق بين الشرع والطبيعة.
وينقد السجستاني في عقيدة أهل التناسخ، والشيعة أقرب إليها، وجود الأرواح وجودا مسبقا قبل عالم الأجساد. والخلاف في عودتها إلى جسم جديد؛ لأنها ضد قانون الاستحقاق الذي يقوم على الفردية والمسئولية. بالرغم من بعض الأحاديث القدسية التي يساء تأويلها.
22
كما ينقد القاضي النعمان غلاة الشيعة «العلوية» الذين يقولون بالرجوع الروحاني.
23
ويقوم الاستحقاق على قانون
من يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
كما هو الحال في الاعتزال. فالدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء. ويوم المعاد لا ينفع فيه الندم والحسرة. ويتحقق الوعد، الثواب والعقاب في الأرض وفي السماء، في الدنيا والآخرة، ويتحقق أمر الله. كل مستحق مستوف استحقاقه بحسب درجته. وهذا هو القيام بالقسط. ويصبح الكتاب هو الهيولى السفلي والاستحقاق الصورة العليا والجزاء ثواب أو عقاب، نعيم أو عذاب. وهو جزاء معنوي. وهو أقوى وأشد على الإنسان من الجزاء الحسي. الالتذاذ في عالم النفس بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إذا بلغت النفس غايتها، واستقرت في هويتها، ورمت بثقلها. وقانون الاستحقاق هو قانون العدل. يختلف الناس في الشيء الواحد أحزابا وشيعا ولكن المهم عدم الظلم حتى لا يقع الجزاء. وإثبات الاستحقاق وقوانينه في الثواب والعقاب رد فعل طبيعي عن الإحساس بالظلم وأهل الظاهر هم أهل الكلم والنصيحة، ينالهم الأذى، ويؤخذ منهم المال في الدنيا. فإذا ما جردوا سيوفهم مع الإمام فلا سبيل إلى إيذائهم، والناس على ثلاثة أقسام: المؤمن، والمستضعف، والتائب. وإن طالت البلوى والمحن وأمسك بالدعاة عن الدعوة، وعظمت المعارضة لها يكون حال الإمام مثل شكوى زكريا وضعفه. فالشيب هم المنافقون وسيطرتهم على أهل الباطن، والخروج من المحنة عن طريق الرمز وعدم الحديث للناس.
24
وتنقسم الرسالة إلى علم وعمل من أجل الثواب والعقاب. وإذا كان العلم منقسما إلى ثلاثة علوم: العلم الأعلى وهو علم اللاهوت، والعلم الأوسط وهو معرفة حركات الأجرام، والعلم الأدنى وهو علم الطب والصناعات، وكان العمل أيضا منقسما إلى ثلاث: سياسة العامة، وسياسة الخاصة، وسياسة الحاقة. فإن الرسالة أوجبت معرفة الله بهذه الأقسام الثلاثة للعوالم وللعلوم. ومع ذلك تظهر الحكمة في النفس أكثر من ظهورها في العالم. العلم في النهاية آلة القبول الفوائد العقلية والآثار الإلهية والوصول إلى المقام المحمود والخروج من هذا العالم بالفوز.
العلم والعمل واجهتان لعملة واحدة. العمل بغير علم جهل. في حين يركز أهل السنة على أهمية العمل تعبيرا عن العلم، فهم أصحاب العلم ويريدون العمل، والشيعة أصحاب العمل ويريدون العلم الراسخ. والإيمان التصديق بمحمد وبصاحب القيامة الذي أشار إليه الرسول في حديثه بالرغم من أن الساعة ليست القائم، والمستوى الأفقي غير المستوى الرأسي. العلم في النهاية آلة لقبول الفوائد العقلية والآثار الإلهية للوصول إلى المقام المحمود والخروج من هذا العالم بالفوز ولا يسقط من الأعمال شيء، ظواهرها وبواطنها. وتقبل أعمال الواصلين الذين دخلوا دور الجرم، ويقفون في بعد الجزاء في مقابل المنافقين الذين في الدرك الأسفل.