تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

يعرف الأنبياء التوحيد. فالذات والصفات هي الحدود الروحانية التي تدل على وحدانية الله. وكل واحد منهم يدعو إلى التوحيد بالإضافة إلى صفات هويته وهي صفات الفعل. وهو علم سمعي منذ إبراهيم يتحقق في الطبيعة، ويمكن الاستدلال عليه منها كما فعل إبراهيم، فتحول من سمعي إلى بصري للإيقان بالقلب والفطرة، من سمعي إلى بصري للطبيعة إلى قلبي للباطن وربما إلى بصري من جديد وكما حدث للنبي في سدرة المنتهى وكأننا في درجات العلم عند الصوفية من علم اليقين إلى حق اليقين إلى عين اليقين. وهو ما أشار إليه القرآن بالسمع والأبصار والأفئدة.

والرسل منزهون عن الجور. يزهدون في الدنيا بعد معرفتهم لها يتسمون بالشجاعة والرحمة بأمتهم بالرغم مما لاقوا من عناء وبلوى، والصدق، وهي من صفات الأنبياء في علم العقائد. وينطبق عليهم أيضا قانون الاستحقاق. وينالون الجزاء على الأعمال بعد أداء الرسالة كما أجزوا أمتهم به وكما وضع المعتزلة قانون الاستحقاق. فإذا ظهرت الخصومات والمنازعات بين الناس ظهر القائم بالحق ليفصل فيها ويبين للملل ما اختلفوا فيه. وتشرق الأرض بنور الرب، وتأخذ الطبيعة معنى الحق والنور معنى الكشف. ولكل ملة سمة تعرف بها، ويعرفها القائم يوم الفصل. فالقائم خليفة الرسول.

ولما غلب الباطل على الحق قام أهل الحق بالسكوت والكتمان. وهذا معنى الستر والحجاب، وتحويله من الخارج إلى الداخل، ومن الجسم إلى القلب، ومن الوجه إلى اللسان. فقد نبذ أهل الباطل الشرائع وراء ظهورهم دون أن يتقدم أحد بردهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم أهل الحق. هنا ينظر إلى النبوة من خلال الإمامة وينقلب الأصل فرعا، والفرع أصلا. وطاعة الرسول من طاعة الله، لا فرق بين الحديث النبوي والقرآن الحر. (3) المعاد

إذا كانت النبية تميل إلى الماضي فإن المعاد يشير إلى المستقبل؛ لذلك ارتبط الموضوعان في التاريخ العام قبل أن ينظر التاريخ الخاص في الإيمان والعمل والإمامة.

19

وكثير من الأسئلة تدور حول آيات المعاد مثل اليوم والساعة والميقات. والمعاد هي جمع الناس في ميقات يوم معلوم. يبدأ بالبعث المادي وينتهي بالبعث الروحاني. البعث المادي هو إعادة البشر الذين خلقوا من تراب ونشرهم من جديد. هناك البعث العام عند تمام حروف المعجم وتمام الشهر. ينقض دور الجسم إذا ما انتهى الاتصال بالعالم الروحاني. ليس بعد النفخ في الصور. وهو ما يأتي به سابع النطقاء والصور الشرعية المحيطة بجميع الشرائع وبعد النفخ في الصور يصعق من في السموات. وهم النطقاء وما فيها من أهل الظاهر، ومن في الأرض، الأسس ومن فيها من أهل الباطن الذين ستروا الأمر باستثناء من شاء الله، وهم المؤمنون الصابرون على السراء والضراء. وتتم هذه الكشفة الأولى على يد القائم. وأما الثانية فهو القيامة، وإشراق الأرض بنور الرب. ومن علامات الساعة شروق الشمس من المغرب، وغروبها من المشرق، وظهور الناس سكارى وما هم بسكارى.

20

والمعاد الروحاني كشف الحقيقة في الآخرة كما يتم كشفها في الدنيا، كشفا للعلم، وكشفا للطبيعة.

ويوم تقوم الملائكة صفا، ويقوم ملك بإزائهم. يحاسب الله واحدا، والواحد يحاسب ستة، والستة يحاسبون العباد كلهم. وهذا تفويض للسلطة، وإشراك الله في الحساب. والواحد هو الإمام، والنطقاء هم الستة. ويتوارى دور محمد وهو شاهد على الأمم جميعا بعد أن يشهد كل نبي على أمته.

21

والملائكة تهبط إلى الأرض في كل ليلة جمعة تقف في الطرقات، وبأيديها أقلام من فضة وألواح من ذهب. وتكتب الصلاة على محمد إلى انقضاء الصلاة كما يروي الحديث. وواضح تدخل الخيال الشعبي بالإضافة إلى التأويل. فالملائكة حجج الإمام الدعاة، والأرض الدعوة الباطنة، ومالكها الوحي رب الدعوة وكتابة الملائكة تأكيد الولاية على أساس الرسول ووحيه. والكتابة اتصال الوصية بالنبوة والإمامة. والصلاة على النبي اتصال الوحي به والأئمة والحدود. والألواح الذهبية الحجج المؤيدون، والدعاة والأئمة. فالخيال الشعبي الموضوع، والتأويل المنهج. الخيال يضع الموضوع، والروح تؤول بالرغم من عدم الدقة في التقابل بين الحجج والدعاة. وكل صنف من الملائكة يأتي الله يوم القيامة بمعزله عن حده وقت النفخة الثانية، صف منهم يوم النشور وهم الرسل، وصف وهم الأسس ثم الأئمة واللواحق والأجنحة والمستجيبون وكل من فارق هذا العالم.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٩٠