1
ويوضح المؤلف فكره، ويبين مضمون قوله، ولا يشرح فكرا خارجيا لأرسطو أو لغيره. لذلك يكثر استعمال فعل «البيان» في الماضي والحاضر سواء بضمير المتكلم وفعل إرادي «نبين» أو بفعل لا شخصي «فقد بان أن» وكأن الموضوع يكشف عن نفسه، وهو الأكثر شيوعا. وقد يكون البيان مختصرا أو مطولا ولكنه إلى الاختصار أقرب.
2
والقرآن نفسه بيان، والله هو المبين كما تظهر أفعال الشرح والتوضيح. فالشرح فعل مستمر للعقل. وقد يذكر بالاسم مثل شرح وتوضيح. وقد يجمع بين فعلين.
3
والفكر الشيعي ليس مجرد تعبير عن أزمة اجتماعية وسياسية بل هو فكر برهاني يقوم على إثبات الموضوع، وينتهي بالإعلان عن ذلك. وتنتهي معظم عبارات نهايات الفقرات بالأداة «إذن» كما هو الحال في العلوم الرياضية أو بأسماء الإشارة «هذا» أو «هذه» للإعلان عن الموضوع المطلوب إثباته. كما تستعمل أفعال «ثبت»، «صح»، «ظهر»، «وجب»، «بان» لنفس الغاية. وقد تبدأ العبارة بفعلين مثل «فقد بان وصح». وأحيانا يتم الإعلان عن النتيجة بالقول «قلنا إذن». وأحيانا تكون النتيجة معروفة للقارئ، وتتم مخاطبته بفعل «فاعلم» و«فعلمت» في الماضي أو «فتعلم» في المضارع. فالنتيجة والاستدلال له،
4
كما تدل بعض الأفعال مثل ذكر، قدم، أورد، أخبر، رجع، عاد، سبق، على إحالة الفكر إلى نفسه. يضع الفكر نفسه ثم يعود إلى ما وضع. يضع المقدمات ثم يرجع النتائج إليها. ويظهر الاستدلال في صيغ العبارات الشرطية، فعل الشرط وجوابه مما يشير إلى مسار الفكر من المقدمات إلى النتائج، وأحيانا في عبارات التعليل لبيان الأوسط الذي يربط بين النتائج والمقدمات.
5
ويحيل المؤلف الشيعي إلى عدة مؤلفات ليست له. فيذكر كتاب الحيوان بطريقة لا شخصية دون ذكر أرسطو. فقد أصبح الكتاب ملكا للجميع، عنوانا لعلم بصرف النظر عن صاحبه الذي مات. تحول الوافد إلى موضوع مستقل. ويشار إلى كتب مفكري الشيعة الآخرين مثل عبدان. وقد يشار إلى مؤلفه ويتحدث عنه مبينا غرضه وتكامل مشروعه الفكري. وقد يحال إلى باقي مؤلفاته الأخرى التي تعرض لنفس الموضوع. ولا تخلو العناوين من جمل تدل على الموقف الفكري والنفسي والحضاري مثل «تحفة المستجيبين»، «الينابيع»، «الأصول والأحكام»، «الابتداء»، «العالم»، «المعاد»، «الكامل»، «النبوات»، «راحة العقل» ... إلخ.
6
ويخاطب المؤلف القارئ بفعل «اعلم». فهو صاحب رسالة يريد إيصالها إلى الناس. والعلم رسالة متبادلة بين المؤلف والقارئ، ذو طابع شخصي بين المتكلم والمخاطب دون الغائب، أرسطو أو غيره. وقد يشفع بالعلم «يا أخي» تأكيدا لرابطة الأخوة بين الاثنين.
7
وقد يشفع بفعل الأمر «اعلم» بدعوة قصيرة مثل «أيدك الله» أو بدعوة أطول لإعداد القارئ نفسيا وتأهيله لقبول الرسالة، دعوة له بالخير كما هو الحال في رسائل إخوان الصفا. وقد يستبدل بفعل «اعلم» فعل «اعرف» أو «تفهم».
8
وقد يكون النص إجابة على سؤال في عدة صيغ مثل «لقد سألت عن»، «وأما سؤالك عن»، «وأما ما سألت عنه» كما هو الحال في الفتاوى الفقهية بل وفي القرآن في الآيات التي تجيب على أسئلة في صيغة «ويسألونك عن».
9
وقد يكون الدعاء للمتكلم والمخاطب، للمؤلف والقارئ دون فعل «اعلم» مع مخاطبة القارئ في صيغة الجمع تأكيدا للتقدير والاحترام. ويتحول الدعاء إلى رجاء من المؤلف إلى القارئ بالمبادرة إلى رحمة الله خشية ضياع الوقت وفوات الأوان والاعتبار، والنظر في حال الدول، نهضتها وسقوطها.
10
وكما تتم مخاطبة القارئ في البداية إشراكا له في الموضوع تتم أيضا مخاطبته في النهاية لتوصيته وتحذيره. وهو خطاب فلسفي خالص، مغرق في الفكر الشيعي مثل تحذير القارئ من عدم طلب هوية وراء السابق بعد ظهوره لأن الكلمة علته. كما يلجأ الخطاب إلى كشف مأساة الإنسان في الحياة، وانغماسه في الحياة المادية، وإشراق جوهره من الحياة الروحية. ويطالب القارئ كما يفعل الصوفية بالتجرد عن أثقال البدن حتى تخف الروح وتشاهد بواطن القلوب، والسبع الطباق مشاهدة الذات للذات. هذا الإغراق في التصوف تعويض عن مآسي الحاضر. وهو ما يتسم به فكر المضطهدين من أجل الخلاص في المستقبل. والغاية سلب القارئ من إرادته وتخليصه من عالمه، وإدخاله في عالم الخلاص الوهمي لطاعة قيادة جديدة يكون لها النصر في المستقبل. ويتم الاعتماد على الأسلوب، السجع والبيان من أجل التأثير في النفس. فالحقائق صور وليست وقائع في الخارج. تهبط من العالم العلوي ولا توجد في العالم السفلي كما هو الحال في نظرية الفيض، من الأول، الفرد العلوي المبدع إلى الثاني الزوج المنصت ... إلخ. وتظهر لغة النور والظلمة، النور صعودا والظلمة هبوطا، النفس والبدن. والطريق إلى ذلك البحث عن إمام الزمان، والسلوك في دعوته، وطاعة أوامره. فهو فكر يهدف إلى إقامة تنظيم سري باسم الحكمة، وجذب البساط من تحت النظام القاهر، كلها إنسانيات وعاطفيات من أجل التعارض بين عالمي الواقع والخيال، والدعوة إلى الانسلاخ عن العالم تعويضا أو هروبا. تقوم على التشبيهات والتحليلات النفسية، والسجع والإنشاء، والمترادفات العقلية التي لا تدل على شيء. وأحيانا تكون الدعوات مشتركة بين المؤلف والقارئ بأن يجعلهما معا من أنصار التأويل واتباع الشريعة. والإيمان بالرسل، والاعتماد على العقل، وعدم اختيار الإمامة بالأهواء.