5
وبالرغم من اعتماد الفكر الشيعي على الموروث الأصلي، الآيات القرآنية أكثر من الحديث بل والإكثار منها كحجة سلطة في مواجهة سوء استعماله عند أهل السنة والسلطة القائمة يأتي دور العقل مكملا للنقل في مواجهة احتكار أهل السنة لتفسير النقل بحجة
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . بل يظهر العقل النقدي بما له من قدرة على الاعتراض. وتدل كثرة النقل على وقوف سلطة أمام سلطة، سلطة المعارضة ضد سلطة الدولة. وكل فريق يزايد على الآخر بكثرة النصوص كما هو الحال عند إخوان الصفا. وكلهم إلى رسول الله منتسب.
ويقل المنقول كلما تطور الفكر الشيعي من القرن الثالث إلى الرابع، ومن السجستاني إلى الكرماني. تكثر الآيات في بداية الفكر الشيعي مما يجعل «راحة العقل» للكرماني أكثر المؤلفات إحكاما من ناحية النظر والبنية الداخلية ومنطق الاستدلال. لذلك نجح ابن سينا فيما لم ينجح فيه الفكر الشيعي بما في ذلك إخوان الصفا في تقديم الفكر الشيعي إلى أهل السنة اعتمادا على العقل وحده.
ليست الفلسفة حكمة متعالية أو فلسفة تأملية نظرية بل هي طريق الخلاص من استئثار السلطة القائمة بالدين والسياسة واحتكار السلطتين؛ الدينية والسياسية. الفلسفة تحرر، والدين قيد. الفلسفة تمرد على السلطة ومقاومة للطغيان. ليست الغاية التوفيق بين الفلسفة والدين، فذاك ما يقوم به حكماء السلطان بل التمسك بالفلسفة وحدها لتأويل الدين ونزعه كسلاح من أيدي الخصوم على عكس حكماء السلطان الذين كانوا يدينون اتفاق الفلسفة والدين لصالح الدين مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجه وابن طفيل وابن رشد. كان حكماء الشيعة من قادة ثورات العامة في حين كان حكماء البلاط من خاصة السلطان. لذلك ظهرت الفلسفة السياسية بوضوح وكأن السياسة هي أساس الدين والحكمة في مقابل تسييس عقائد السنة باسم الدين وعلى حساب الحكمة كما بدا ذلك في عقائد الأشاعرة وفي فلسفة الفارابي والتصور الهرمي للعالم. ثم تحولت الفلسفة السياسية إلى فلسفة تاريخ لمعرفة دورات الأمم ومصائر الشعوب وتداول الأيام بين الناس. وهي فلسفة تقوم على التقدم والنهوض والخلاص باسم المهدي بعد أن جعل أهل السنة التاريخ منهارا (خير القرون قرني) إلى غير رجعة. الفكر الشيعي فكر ملتزم، صاحب قضية، الالتزام بالشرعية الدينية ونقد التسلط والطغيان، الدفاع عن الحق ضد الباطل، والعدل ضد الظلم، والشرعية ضد اللاشرعية، والأئمة ضد الملوك.
6
وكما كان معظم أهل السنة من العرب كان معظم الشيعة من العجم. فقد دخلت شعوب كثيرة الإسلام لا فرق بين عرب وعجم حتى بدأ التشيع في الظهور، فانضم العجم إلى المعارضة بعد أن استولى العرب على السلطة باسم قريش وبحجة «الإمامة في قريش» وكرد فعل عليها روي أيضا «العلم في فارس» «ولو كان العلم في الثريا لناله رجال من أهل فارس».
وللإنسانيات الأولوية على المنطق. وتشمل الإنسانيات الطبيعيات والإلهيات والأخلاقيات والاجتماعيات والسياسيات. المنطق تجريد لا تقوى الثورات على استعماله، وأقيسة شكلية لا تقدر على فهم حركة المجتمع وصراع القوى فيه. وعندما يكون المجتمع في أزمة والناس في قهر يتم التحرر عن طريق العقائد الدينية التي تتحول إلى تصورات فلسفية مثل إبداع الكون والنبوة والمعاد والإمامة وقصص الأنبياء من أجل وضع المجتمع في حركة التاريخ وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم. يغيب منها النسق الثلاثي الصارم للحكمة: المنطق، والطبيعيات، والإلهيات الذي يجعل الفلسفة بناء ثابتا لا يتغير من أجل فلسفة تقوم على حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ.
والخطاب الفلسفي الشيعي خطاب خال من المصطلحات الفلسفية الوافدة أو الموروثة ومحمل بمصطلحات إبداعية خالصة من ألقاب الأئمة مثل القائم والأساس والباب. وهو خطاب سهل الفهم بعيد عن التجريد، مباشر يدخل إلى القلب أكثر مما يخاطب العقل، ويعبر عن تجربة حية معاشة أكثر مما يعبر عن تحليل عقلي رصين. بل يكون أحيانا أقرب إلى الخطاب الشعبي لإخوان الصفا يهدف إلى تجنيد الجماهير وحشد المضطهدين. وكثيرا ما يعتمد على التراث الشعبي مثل إخوان الصفا والأساطير الشعبية والأسلوب العربي القويم بعيدا عن ركاكة الأعجام مع أنهم كانوا أيضا من العجم. ويبدو أن الاضطهاد يفرض أسلوبه المباشر ضد فيهقات الخاصة المستقرين في البلاط. يبدو أرسطو خياليا، مثاليا حالما أقرب إلى الشعر الفلسفي، والملحمة الإنسانية مثل بطولات الأساطير وحياة الشهداء، وأساطير السقوط والخلاص في كل الديانات مثل الديانة المسيحية. ويقدم القرآن صورا فنية بليغة للتأثير على الناس، فالبداية تخييل وتصوير دون محكم ومتشابه، حقيقة ومجاز، ظاهر ومؤول، مجمل ومبين. الكل ناطق صامت. الناطق في حاجة إلى تأويل والصامت في حاجة إلى تخييل. ويظهر أسلوب الرد على الاعتراضات المتخيلة من أجل الإحكام النظري. وقد يكون الاعتراض بآية والرد عليها بآية.