تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

ويتم وصف الفكر الشيعي دون حجاج معه، معه أو عليه كما فعل أهل السنة. فقد كان الفكر السني الرسمي فكر سلطة والفكر الشيعي الشعبي فكر معارضة. فلا حجاج مع السلطة ضد المعارضة كما كان الحال قديما. بل قد يكون هناك حجاج مع المعارضة ضد السلطة كما هو الوضع حاليا. يكفي في ذلك سلاح الألقاب. فالسنة أهل الاستقامة والحديث الذين يسيرون على الصراط المستقيم والسنة القويمة. أما الشيعة فإنهم أهل الهوى والميل والتشيع والانحراف عن الطريق المستقيم. أهل السنة هم الفرقة الناجية، والشيعة هم الفرقة الضالة الهالكة طبقا لحديث الفرقة الناجية الذي استعمله أهل السنة منذ الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد» ضد خصوم الدولة من الشيعة والباطنية والمعتزلة.

والنص الشيعي نص واحد بالرغم من اختلاف المؤلفين عليه. يمثل وحدة فكرية واحدة، وموقعا سياسيا واحدا. يكمل بعضه بعضا بصرف النظر عن مؤلفه، وحدة النص وتعدد مؤلفيه. وتكرار نفس النص يدل على أن هناك وحدات أولى تم التأليف منها، وهو النص الأم. وقد يعني توارد خواطر واتفاقا في الأفكار، فالظروف الواحدة تخلق موقفا فكريا واحدا يتم تدوينه في نص واحد. قد يزيد نص فكرة دون التكرار الأصم. وتتراكم الزيادات على النص الأم وتصبح نصا واحدا. يمكن تحليل الموروث نصا نصا وكذلك أشكال التعبير وآليات الإبداع. أما المضمون فإنه يتم تحليله باعتباره نصا واحدا. فالفكر الشيعي تيار فلسفي مستقل عن الأشخاص.

8

وعلى الرغم من عدم الدقة في النشر العلمي المحقق أحيانا للنصوص الشيعية وغياب الفهارس للمصطلحات والأعلام وتخريج الآيات والأحاديث إلا أن ذلك لا يمنع من تحليل المضمون لمعرفة مكونات النص وتوجهاته العامة.

| ثانيا: حضور الموروث وغياب الوافد

كانت الفكرة الشائعة هي أن علوم الحكمة هي اجتماع الوافد والموروث، سواء كان الوافد من اليونان والرومان غربا أو من فارس والهند شرقا، وخص اليونان بالوافد على الأصالة نظرا لكثرة الترجمة منه. والحقيقة أن الفكر الفلسفي الشيعي في معظمه تنظير للموروث دون تمثل الوافد. نشأ من توجيه الموروث الأول، القرآن، نحو الواقع السياسي والاجتماعي. نشأ الفكر الشيعي من الداخل وليس من الخارج مثل الفكر الأصولي مع أن الترجمة كانت قد تمت في القرن الثاني الهجري وتمثلها الكندي والرازي والفارابي من قبل. نشأ من تفاعل الوحي والواقع.

1

ويبدو ذلك من عناوين مؤلفات حكماء الشيعة، وما تتضمنه من انفعالات وثنائيات تعبر عن المقاومة، والصراع بين الحق والباطل، والعدل والظلم وحضور الموروث وغياب الوافد.

2

مثال ذلك «الينابيع» للسجستاني أي التأويل الداخلي، وانبثاق الحقائق من الداخل ضد الاستيلاء على السلطة في الخارج. وقد يكون إبداعا خالصا في حالة غياب الموروث، وبالتالي يكون قد بلغ قمة التراكم الفلسفي في مواجهة الحكم الاستشراقي الذي جعله أيضا أفلاطوني النزعة بالرغم من عدم ذكر أفلاطون، وأن الاستشراق تجربة روحية نفسية اجتماعية في كل حضارة،

3

فإذا حضر أفلاطون مصادفة فإن السبب في ذلك هو ارتباط الثورة بالمثال، والغضب بالانفعال والمعارضة بالعاطفة والظلم بالمدينة الفاضلة، والواقع بالخيال، واليأس بالحلم. وإذا حضر الوافد مصادفة فإنه يكون موضع نقد باعتباره الدخيل الذي استعمله حكماء السلطان ضد الأصيل مثل معارضة الرازي لأرسطو.

وقد ظهر الفكر الشيعي بعد عصر الترجمة. وكان من الطبيعي أن يعتمد على المعقول والمنقول. كان فكر المعتزلة قد انتشر قبل أن ينقلب الأشعري عليه.

ويصعب تحليل كامل لمضمون الفكر الشيعي لأنه يكاد يخلو تقريبا من تمثل الوافد وأقرب إلى تنظير الموروث؛ إذ إن أهمية تحليل المضمون هو قياس نسبة الوافد إلى الموروث عن طريق تردد أسماء الأعلام خاصة. وذلك يثبت مقدار الاستقلال الحضاري عن الوافد ونشأة الفكر الفلسفي من الداخل دون استعانة بالخارج، وأنه يكفي تفاعل الأصول الأولى، الكتاب والسنة، مع الواقع السياسي الاجتماعي. وهو أحد أشكال الإبداع قبل أن يتحول إلى إبداع خالص، استقلال النص عن الوافد والموروث معا. (1) أبو جعفر بن منصور

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٧٢