2
وهو شيعي إمامي اثنا عشري. وإخوان الصفا من الإسماعيلية. والفكر الشيعي متأخر عن الفكر السني بقرن من الزمان، من الكندي (252ه) حتى النسفي (331ه).
وربما كان أحد أسباب مؤامرة الصمت في تاريخ الفكر الفلسفي السني هو أن مفكري الشيعة كانوا من الثوار الذين استشهد معظمهم في ثورة 331ه. كانوا من المعارضين للسلطان، استمرارا في ثورة الأئمة من آل البيت. كان يمثل فكر المعارضة وليس فكر السلطة، يعبر عن الواقع السياسي العريض ضد استئثار فرقة واحدة بالسلطة السياسية هي فرقة أهل السنة. كانوا يمثلون الفرق الهالكة الاثنين والسبعين ضد الفرقة الناجية؛ أهل السنة والجماعة.
3
لم يأخذوا خلعا أو صررا من السلطان. ولم يكونوا في معيته؛ بل كانوا ينتقدون فقهاء السلطان وفقهاء الحيض والنفاس المأجورين المستوزرين، فلاسفة البلاط ومنشدي وعازفي الآلات للأمراء وأطباء الخلفاء وزينة المجالس.
وإذا كان التراكم الفلسفي قد ظهر في الفكر الفلسفي في تعليقات ابن باجه على الفارابي، وشرح ابن طفيل لألفاظ الحكمة المشرقية عند ابن سينا، ونقد الغزالي للفلاسفة في «تهافت الفلاسفة»، ونقد ابن رشد للغزالي في تهافت التهافت فقد ظهر التراكم الفلسفي في الفكر الشيعي منذ أن كتب النسفي «المحصول» ثم نقد بوجه خاص الرازي له في «الإصلاح» ثم دفاع السجستاني عن «المحصول» في «النصرة» ثم حكم الكرماني تلميذ السجستاني بين «الإصلاح» و«النصرة» في «الرياض» ناقدا أستاذه.
4
لذلك كثيرا ما يظهر التناص الفلسفي في «الرياض». صاحب الإصلاح يقول، وصاحب النصرة يقول، وصاحب الرياض يقول.
ونظرا لكثرة المنقول وشرحه شرحا مباشرا بخطاب عادي شعبي غير إصلاحي وبحماس غالب يصبح الفكر الشيعي أقرب إلى الفكر الفقهي السني والخطب المنبرية التي تزدحم بالآيات وكما هو معروف في المدرسة السلفية عند أحمد بن حنبل، وابن تيمية وابن القيم، وابن الصلاح، ومحمد بن عبد الوهاب، ورشيد رضا. القرآن هو المصدر الرئيسي ثم بعد ذلك قصص الأنبياء أي القرآن متحققا في التاريخ. الآيات القرآنية أكثر ورودا من الأحاديث النبوية، فالقرآن هو الأصل متفاعلا مع الواقع السياسي والاجتماعي وموجها نحوه. وقد يكون للشيعة قراءتهم الخاصة للقرآن والتي تختلف أحيانا مع قراءة أهل السنة في بعض الحروف الآن. ولا يذكر اسم العلم إلا خارج الآية ومشتقاتها. فالآية هي مصدر أسماء الأعلام، هي بمفردها دليل دون عرض نظري كاف كما هو الحال في فكر الفقهاء. ومن هنا تبدو أهمية ابن سينا. فبالرغم من أنه من الإمامية الاثني عشرية إلا أنه استطاع تجاوز النص الخام إلى العقل الخالص.
والفكر الشيعي مثل الفكر الفقهي إجابات على أسئلة يطرحها السائل، فهو إجابة عن أسئلة يطرحها الواقع وليس تنظيرا مجردا؛ لذلك تبدو فيه «روح المشيخة» وطابع المؤسسة الدينية. واتهامه بالانحراف والخروج والمروق هي من فعل الخصوم، والإجابة قدر الإمكان دون قطع أو جزم أو غلق لباب الاجتهاد. وإذا كان السؤال عن آية فإن الإجابة تحولها إلى نظر عقلي كما هو الحال في نشأة علم الكلام. وأحيانا تتحول الآية إلى عبارة شارحة، لا فرق بينها وبين أسلوب عرضها مع تغيير الضمير. ويتداخل القرآن الحر مع الآيات حتى إنه يصعب التفرقة بينهما. بل وهناك عدم دقة في القرآن الحرفي والقرآن الحر حتى يسهل عدم الفصل بينهما؛ ولا توجد مسافة بين الوحي نقلا والوحي إبداعا. وقد يكون السؤال عن آية أو عن معنى آية أو عن فكرة أو موضوع مثل منزلة سائر النطقاء وحدودهم وأهل الظاهر. وتكون الإجابة مثل السؤال بآية أو معنى آية أو فكرة أو موضوع. وقد تذكر الآية أكثر من مرة وبنفس المعنى مما يدل على أن القضية أزمة نفسية، تذهب وتعود. ويكون السؤال أيضا عن معنى الحديث ولكن بصورة أقل.