تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان التحول من الكلام إلى الفلسفة هو انتقال من «الثيولوجيا» إلى «الأنطولوجيا» فقد غلبت على الحكمة الميتافيزيقيا أو الأنطولوجيا الخالصة. ومع ذلك يتسم بالوضوح والترتيب المنطقي. ويتم تبويب «نهاية الحكمة» على اثنتي عشرة مرحلة مما يوحي بالطابع الحركي. وهي في الحقيقة مراحل داخل العقل أي بنيته.

51

وهي أقرب إلى المبادئ العامة أي نظرية الوجود في علم الكلام المتأخر المستمد من الفلسفة.

وبالرغم من ظهور الموروث أكثر من الوافد إلا أن الصمت عن المصادر هو الغالب من أجل التركيز على بنية العقل والموضوع بحيث يكون أقرب إلى الإبداع الخالص بعد تراكم فلسفي طويل عبر أربعة عشر قرنا. والاسم نفسه له دلالته «نهاية الحكمة» بالمعنى المزدوج اللفظ «نهاية» الذي يعني آخر مرحلة وخاتمة والذي يعني أيضا تحقيق الغاية.

52

ويتصدر الموروث صدر الدين الشيرازي باعتباره آخر الحكماء القدماء ثم ابن سينا باعتباره زعيم الإشراقيين، ثم السهروردي باعتباره من مؤسسي الإشراق ولكن من التصوف إلى الفلسفة وليس من الفلسفة إلى التصوف كما هو الحال عند ابن سينا، ثم الفارابي باعتباره أحد الإشراقيين قبل ابن سينا، ثم الدواني باعتباره شارحا، والشهرستاني، ثم ابن كمونة والنظام وبهمنيار معاصر ابن سينا، ثم الطوسي.

53

ومن أسماء المؤلفات تذكر بطبيعة الحال «الأسفار» ومن الفرق يذكر المتكلمون. فالكتاب يجمع بين الكلام والفلسفة كما هو الحال في كل المؤلفات الكلامية بعد القرن الخامس. كما أنه كتاب سجالي ضد الفرق خاصة المعتزلة مما يضفى أحيانا على منطق البرهان الخاص بعلوم الحكمة، ثم المشاءون والإشراقيون، وهي الفرقة التي ينتسب إليها المؤلف. ثم القدماء والمتأخرون، فالفلاسفة قدماء ومحدثون والطبيعيون والمنطقيون من قدماء الفلاسفة مصدر الحكمة، والصوفية مصدر الإشراقية.

54

وأحيانا يذكر «بعضهم» على العموم دون تحديد من هم. وفي نفس الوقت تكثر الألقاب وتختفي الأسماء تحولا من الاسم إلى الرمز مثل صدر المتألهين للشيرازي والشيخ لابن سينا، وشيخ الإشراق أو الشيخ الإشراقي للسهروردي، وأفلاطون الإلهي، والمعلم الأول.

55

وبسبب الطابع التجريدي العام، يخلو الكتاب من الأدبيات والأحاديث بالرغم من أولوية الموروث فيه على الوافد.

ومن الوافد يتصدر أفلاطون بطبيعة الحال ويأخذ لقب «الإلهي» فهو زعيم الإشراقيين اليونان، وتنسب إليه المثل. ثم يأتي أرسطو في المرتبة الثانية أو لقب المعلم الأول كناية عنه، ثم ديموقريطس نموذجا للطبيعيين، ثم أنبذقليس وفرفريوس وتاليس. ومن الفرق اليونانية لا يذكر إلا الرواقيون.

56

ويكاد ينحصر الوافد في مكان واحد، روايات مذاهب السابقين حتى يبدو محاصرا داخل محيط الموروث، خطوة نحو «تنظير الموروث» واختفاء الوافد.

57

| الفصل الثاني: تنظير الموروث

| أولا: الخصائص العامة للفكر الشيعي

ليس بمحض المصادفة أن يقع الفكر الفلسفي الشيعي في «التراكم الفلسفي» في «تنظير الموروث» وليس في «التأليف»، «تمثل الوافد» أو «تمثل الوافد قبل تنظير الموروث» أو «تمثل الوافد مع تنظير الموروث» أو حتى في «التراكم الفلسفي»، تنظير الموروث قبل «تمثل الوافد» أو «الإبداع الخالص». مما يجعل للفكر الشيعي خصائص معينة تجعله يقع في نوع أدبي خاص «تنظير الموروث» دون الاعتماد على الوافد. يكفي الواقع السياسي من ناحية والموروث الأصلي، القرآن، من ناحية أخرى.

1

وهي حلقة مفقودة لم ينتبه إليها مؤرخو الفكر الفلسفي الذين انتقلوا مباشرة من الفارابي (339ه) إلى ابن سينا (428ه) باستثناء ذكر أبي الحسن العامري (381ه) وكأن الفكر الفلسفي قد انتقل من الفارابي إلى ابن سينا مباشرة عبر قرن من الزمان دون تطور. في حين أن الفارابي كان معاصرا لأبي حاتم الرازي (331ه) وأبي يعقوب السجستاني (331ه)، والكرماني (411ه) كان معاصرا لابن سينا (428ه). وكان إخوان الصفا وهم من الإسماعيلية من قبل هم حلقة الاتصال بين الكندي (252ه) والفارابي؛ إذ تدل الشواهد على أنها ظهرت حوالي (270ه) أي في النصف الثاني من القرن الثالث. وقد كان أبو سليمان السجستاني هو الشخصية الرئيسية في «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (403ه). ومع ذلك فالتقابل ليس حادا بين الفكر الفلسفي الجامع بين تمثل الوافد وتنظير الموروث والفكر الفلسفي القائم على تنظير الموروث فحسب. كما لا يمكن أن يقال إن هذين الخطين يمثلان الفكر الفلسفي السني والفكر الفلسفي الشيعي لأن ابن سينا هو الذي قام بالعرض النسقي المنطقي وقدم بناء الفلسفة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٦٩