تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

وتشفع بها حكايات السلاطين والأمراء مع العلماء والصوفية والفقهاء. فالعلم ما زال يدور في بلاط السلطان.

وتكثر العبارات الإيمانية مثل إن شاء الله، بإذن الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، بستر الله، والله أعلم لتكشف عن حدود العلم وتفويضه مثل تفويض كل شيء إلى الله. (5) أطفيش

وقد اتسم الطب المتأخر بنفس الطابع الذي اتسمت به العلوم الطبيعية الأخرى مثل الجغرافيا والفلك والنبات والحيوان. واستمر هذا النوع من التأليف حتى القرن الماضي عنه في «تحفة الحب في أصل الطب» لمحمد بن يوسف أطفيش. من علماء القرن الرابع عشر الهجري. وألقابه أيضا العلامة المحقق أي جامع العلم والمتحقق من صدقه، يغلب عليه التجميع والتدوين من الفقهاء والرواة والمحدثين والمؤرخين والمفسرين والصحابة والخلفاء الأربعة وأئمة المذاهب الأربعة خاصة الشافعي وأحمد بن حنبل، مجرد روايات، عودة إلى الطب النبوي. فالنص مستقل بذاته، مصدر العلم دون ما حاجة إلى برهان عقلي أو تجريبي كما هو الحال في الحركة السلفية المعاصرة منذ محمد بن عبد الوهاب. والطب هو العلم الشامل الذي به علاج لكل أمراض الحياة ومشاكل كل عصر. هو أقرب إلى المفتاح السحري كما يدل عليه العنوان.

46

والموروث الأصلي هو الحديث أولا ثم القرآن ثانيا ثم الشعر ثالثا.

47

ومن الموروث الفلسفي يتصدر ابن سينا ثم الغزالي ثم الرازي والطحاوي.

48

ثم يتوالى الفقهاء، الأئمة الأربعة وفي مقدمتهم الشافعي والخلفاء الأربعة كرواة ومحدثين، والمتكلمون مثل الأشعري والجويني، ثم الفقهاء مثل ابن القيم وابن تيمية والعسقلاني وابن عبد البر وابن حجر والبيهقي والطبراني وابن الصلاح وابن العربي، والمؤرخون مثل الطبري والثعالبي وابن الأثير والواقدي والمفسرون مثل الزمخشري والقرطبي والمحدثون مثل أصحاب الإصحاحات الخمسة، ومن الصوفية المحاسبي، وأبو سعيد الخدري، ومن الأدباء واللغويين الجاحظ وسيبويه، ومن الشعراء الفرزدق، ومن العلماء ابن البيطار، وعشرات من الصحابة والتابعين بحيث طغت العلوم النقلية على العلوم العقلية وكثير من الروايات منتحلة لطولها ودخولها في جوهر الطب وعلله وتقوم على الخداع والسحر والتعاويذ والأحجية والدعوات. ومن الأنبياء بطبيعة الحال يتصدر سليمان الحكيم وقدراته على المداواة والعلاج، وما يلحق به من إسرائيليات دخلت من قبل علوم التفسير.

وما زالت بقايا الوافد تتراءى وفي مقدمته جالينوس ثم أبقراط ثم أرسطو وأفلاطون ثم سقراط.

49

تذكر أقوالهم بعد أن أصبحت موروثة دون تحقق أو نقد أو مراجعة.

وليس للكتاب بنية تنم عن وضع العلم بل مجرد أبواب متتالية، خمسة وعشرين، أطولها الأخير. يغلب على الأول «ما جاء في الطب» معظم الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية. وتدل عناوين الأبواب أنها لا تدرس الموضوعات بل تجمع الروايات فيه «ما جاء في ...» ويضم الطب البدني الطب النفسي لعلاج الهموم والصرع. وأطولها ما جاء في الطعام والشراب والنكاح طبقا للمأثور عن العرب وكما لاحظ الفارابي من قبل.

50

وقد استمر تنظير الموروث قبل تمثل الوافد حتى القرن الماضي كما هو الحال في نهاية الحكمة للأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطبطبائي والذي أتمه عام 1395ه.

وهو على درجة عالية من التجريد والتنظير كما هو الحال في علم الكلام المتأخر وشراح ابن سينا المتأخرين عندما انطفأت جذوة الإشراق ولم يتبق إلا صور العقل وأشكال الوجود، بحيث يستحيل معرفة مقياس الصواب والخطأ لا في تجربة إنسانية ولا في إطار مرجعي إلا إطار العقل النظري الذي بحاجة إلى مقياس آخر غير الاتساق المنطقي. وما يخرج العقل عن بنيته الداخلية هو بعض السجال مع المتكلمين أو مع بعض شراح ابن سينا المتأخرين مثل الدواني. ويقوم على ذكر الحجج والاعتراضات ثم الرد عليها مع اقتباسات وشواهد وإحالات أسوة بالتأليف الحديث في صلب المتن وليس في الهوامش.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٦٨