30
وقد استمر ذلك حتى التأليف الحديث في عصر النهضة العربية.
31
فالتأليف مناسبة للتدوين وحفظ العلم وليس للإبداع وإضافة الجديد. هو استرجاع للماضي منذ الأصول الأولى في القرآن والحديث، حتى الموسوعات المتأخرة.
ولما كان الهدف هو تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات الطبيعية والتاريخية والجغرافية والأدبية والاجتماعية واللغوية والكلامية والصوفية عن الموضوع لم تهم صحة الروايات. بل كثرت الأحاديث الموضوعة والحكايات الشعبية وقصص الأنبياء المستمد من الإسرائيليات.
لذلك غاب العرض النظري، وتحول الموضوع من العلوم العقلية إلى العلوم النقلية. وأصبح الموضوع مجرد تجميع قدر أكبر ممكن من النصوص في الموضوع. فزاد الحجم ما دام الهدف هو تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات. وتحولت الدلالة من الموضوع إلى المنهج، من إبداع العلم الجديد إلى تكرار وجمع وحفظ العلم القديم. لم يعد النص فلسفيا جزءا من علوم الحكمة بل أصبح حضاريا دالا على طبيعة التأليف في العصور المتأخرة وطرف التدوين في عصر الشروح والملخصات والموسوعات الكبرى.
32
والحيوان مرتب ترتيبا أبجديا من الألف حتى الياء مع استطرادين كبيرين خارج الموضوع ما دام الهدف هو تجميع المعلومات. الأول في حرف الألف بعد «الأرز» بعنوان «فائدة أجنبية تتضمن أن كل سادس قائم بأمر الأمة مخلوع» مما يوحي بالتوجه الشيعي في كتابة التاريخ. فالحديث ذو شجون.
33
والثاني في حرف الحاء في موضوع الحوت يتم الاستطراد إلى «حوت موسى ويوشع» بما يوحي من غرائب وإعجاب. فليس المقصود حيوان الحوت بل ثقافة الحوت.
34
وفي كل موضوع يتم تقسيمه إلى خمسة بنود: (1)
الأمثال أي الشواهد الشعرية وأمثال العرب عن الحيوان فليس المقصود علم الحيوان بل مرويات الحيوان أي الحيوان في الثقافة العربية وليس فقط في العلم الطبيعي كما فعل الجاحظ في كتاب الحيوان. فالعلم عند العرب جزء من الثقافة. (2)
الخواص أي طباع الحيوان. وهو أقرب إلى العلم الطبيعي اعتمادا على الكتب الطبيعية السابقة في علم الحيوان. وتجمع الخواص بين الجسدية والسلوكية والألفة والتربية وعلاقة الإنسان به. فهي ليست خواص عضوية خالصة، خاصة الحصان والكلب والجمل والهر والثعبان والحدأة وهي الحيوانات التي عاش معها العربي في الصحراء. (3)
التعبير أي مدلول الحيوان في الأحلام اعتمادا على «تعبير الرؤيا» لابن سيرين مثل تأويل يوسف حلم فرعون، سبع بقرات سمان تأكلهن سبع بقرات عجاف. فالنفس موطن العلم الطبيعي. وفي عالم الحيوان رموز لعالم النفس. (4)
الحكم أي الحكم الفقهي على الحيوان، بالحياة أو الموت، بالطهارة أو النجاسة، بالعيش معه في المنزل أو إخراجه منه، بالمنفعة والضرر. فالحيوان مخلوق للإنسان. الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، والسمك الطري للطعام، وجلودها للدفء والسكن. (5)
الفائدة وهي النتيجة النهائية للموضوع سواء كانت في الطب أو في الأدوية أو في الوقاية من الحسد أي الاستعمالات للحيوان كعامل مؤثر في الحياة اليومية. وتكون فائدة مجربة أو مجربة وصحيحة أو لطيفة. وهناك أكثر من فائدة للحيوان الواحد. وقد تكون خاتمة وتتمة وإشارة وتذنيبا، قاعدة أو فرعا، توضع تحتها كل المعلومات الباقية من البنود الأربعة الأولى حتى لا يترك علم دون تدوين. وقد تكون عجيبة أو غريبة تبين الأثر السحري للحيان في حدوث نتائج غير متوقعة تصل إلى حد السحر والتعاويذ والخرافات الشعبية.
ويقل الوافد اليوناني إلى أقصى حد وكأنه أصبح من سالف الدهر، ينتمي إلى ذكريات الطفولة الأولى. يتصدر أرسطو بطبيعة الحال فيما ينقل عنه في وصف خصائص الحيوان مع إحالة إلى كتاب منتحل له «كتاب النعوت والخطاطيف» ثم جالينوس ثم هرمس.
35
ثم تأخذ قصة الإسكندر وذي القرنين مساحة كبيرة في الوافد اليوناني. فليس المقصود هو علم اليونان بل قصص اليونان، وهل الإسكندر المقدوني هو ذو القرنين المذكور في القرآن.