تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وهو مختصر مفيد وسهل وواضح يعتمد على النقل والعقل، يخاطب القارئ كالعادة. وتدل كثرة الألقاب في العصور المتأخرة على تبجيل العلماء كسلطة علمية وأهمية الأخلاق كشرط للعلم. والحكماء هم الأطباء.

ويطغى الموروث على الوافد بطريقة واضحة؛ إذ لا يذكر من الوافد إلا بقراط في ذكر قولين له عن الثوم كشفاء من السموم.

12

ويتصدر في الموروث الأحاديث النبوية قبل الآيات القرآنية، وعلي بن أبي طالب قبل الرسول، وعمر بن الخطاب والأحنف بن قيس قبل أبي عبيدة والشاطبي والكسائي وابن عباس، مما يدل على العودة إلى الطب النبوي قبل الطب العلمي، بل وطب الطلسمات.

13

وتصف أحاديث الرسول أنواع الأدوية من البيئة مثل ألبان البقر وأسمائها ولحومها، والحبوب شفاء للداء الكامن في الجوف. والخل سيد الأدوية به منافع كثيرة. كما يتم الشفاء بالعسل. وماء الكمأة شفاء للعينين. وتتعادل الأدوية فيما بينها مثل تعادل التمر والقثاء. وقد تضاف العمليات الجراحية الصغيرة مثل الشرطة من حجام أو الكية من النار وعدم تفضيل الرسول الكي لمزاج شخصي أو لقانون طبي عام. وقد يكون العلاج وقائيا. فالبطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء، وأشر وعاء البطن، وخيره في الثلث للطعام، والثلث للماء، والثلث للنفس. ويدخل الطب النفسي مع الطب البدني، ويكون العلاج بالصبر. ولا يمكن علاج السأم. وقد يتحول الطب النبوي في الاستعمال الشعبي إلى طلسمات وأحجية بها آيات قرآنية أو أدعية نبوية.

14

وتروى بعض الأحاديث الحرة المروية في الآداب الشعبية كعلاج حيواني أو نباتي.

15

ويظهر علي بن أبي طالب كمصدر للطب. فالبطل الشعبي مصدر للطب الشعبي. مداواة العرب بالسمن والسكر. وللهم والغم دواء في حين تركهما الرسول دون دواء.

16

وتجمع وصية الأحنف بن قيس بين العمل والصنعة والطب، وتشير أقواله المأثورة إلى أربعة حكم من أربعين ألف حكمة طبقا للخيال الشعبي:

17

عدم الثقة بالناس، عدم تحميل المعدة ما لا تطيق، عدم الاغترار بالمال وإن كثر، وتعلم ما ينفع من العلم. ويصبح الصحابة أطباء مثل عمر بن الخطاب في منافع المصائب في الدنيا لا في الدين ثوابا يوم القيامة، فيختلط الطب البدني مع الطب الروحاني منذ الرازي. بل إن الديني له الأولوية على الدنيوي عندما يرفض عمر ألا يكون الناس في عمل ديني أو دنيوي كنوع من الدواء أي الهدوء النفسي الضروري لصحة البدن. ويتداخل الشعراء مع الأطباء قبل الإسلام وبعده كما هو الحال في أراجيز الطب.

18

وطب الشعوب واحد. فقد اجتمع أربعة من الحكماء عند كسرى، عراقي ورومي وهندي وسوداني، لوصف الدواء. وما زال الخطاب موجها إلى القارئ في هذه العصور المتأخرة، فالقارئ جزء من الخطاب.

وفي الإيمانيات والبسملات والحمدلات الأخيرة يظهر اتحاد الله بالطبيعة، والدين بالطب، والإيمان بالصحة. فقد أودع الله في الطبيعة الحكمة. وهو خالق الطباع وخالق العلل المزدوجة، الحرارة والرطوبة، الجدل في الطبيعة الذي أشار إليه القرآن في النص، الليل والنهار، الظلمات والنور، الحركة والسكون، الشر والخير، الشيطان والملاك، الجنة والنار، الثواب والعقاب ... إلخ. الخلق منوال ونموذج يتحد فيه الخالق بالمخلوق. خلق الله ما تحت اللسان وما في أسفل المعدة والكلى والمرارة كي تفعل بطباعها. والله أعلم وكل شيء بمشيئته. والدواء نافع مجرب بمشيئة الله، والصلاة والسلام على الرسول وأحاديثه في برء العلل.

19 (4) الداماد

ولم تتوقف الإشراقيات في العصور المتأخرة بل زادت وترسخت في المشرق والمغرب وأصبحت الوعاء الذي تصب فيه كل العلوم الرياضية والطبيعية. مثال ذلك «كتاب القبسات» لباقر الداماد الحسيني (1041ه). فقد ازدهرت الإشراقيات في إيران في العصور المتأخرة وعرفت باسم مدرسة أصفهان. وهو أستاذ صدر الدين الشيرازي المعروف باسم مللا صورا. ولإيران فضل على الفلسفة المتأخرة في الجناح الشرقي، بعد أن ضعفت في الجناح الغربي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٥٣