115
ومعظم موضوعات «تهافت التهافت » صورية يسميها ابن رشد جدلية سوفسطائية وليست برهانية، ولم تعد بذي دلالة الآن، على عكس «فصل المقال» و«مناهج الأدلة»، نوع أدبي مستقل، يحفر ويوصل ويدقق ويمحص على درجة عالية من التراكم الفلسفي، بالرغم من تقطيع الحجج مما يؤدي إلى ضياع الموضوع. كان ابن رشد في تفسير ما بعد الطبيعة أوضح، بفصل النص عن الشرح توجها من الخارج إلى الداخل، ومن التبعية إلى الاستقلال، من سلطة أرسطو إلى سلطة الأشعرية ثم من السلطة إلى العقل. ويظهر أبو حامد في أول الفقرة وفي وسطها مما يصعب بعدها معرفة من قال ماذا.
116
وبالرغم من صورية الطابع إلا أن ابن رشد لا ينسى القارئ واشتراكه معه في الحكم بين أبي حامد والفلاسفة والدعوة إليه. بل ويحتكم إليه ابن رشد ويلجأ إلى فطرته السليمة إن كان من أهل الفطرة المعدة لقبول العلوم، ومن أهل الثبات أي اليقين والفراغ أي حب المعرفة لذاتها، من أهل النقل والعقل، من أجل الوقوف على ما في كتب الفلاسفة من حق أو باطل أو أن يلجأ إلى ظاهر الشرع إن لم يكن من أهل الحكمة. أما الذي لا ينتسب إلى أهل الشرع أو إلى أهل الحكمة فهؤلاء هم الذين يخاطبهم الغزالي للتشنيع على الفلاسفة، أهل الشرع والحكمة. وبالتالي يجمع ابن رشد بين الظاهرية للعامة والباطنية الخاصة. ويشرك ابن رشد القارئ في الحكم على ادعاء كل فريق أن ما يقوله هو الحق بنفسه بالرغم من نقصان الأدلة. ويطالبه باستفتاء قلبه، واللجوء إلى ضميره، ويدعو له بأن يكون من أهل الحقيقة واليقين. يشركه معه في ضرورة تحويل الحجج الإقناعية إلى حجج برهانية. والبرهان أشبه بالصناعة العملية التي يمكن تعلمها لأن البرهان عمل الفكر، وصناعة الذهن. ولما كانت الأقاويل غير البرهانية تأتي بغير صناعة ظن الناس أن الأقاويل البرهانية كذلك. وقد استعمل «التهافت» أقاويل غير برهانية أي غير صناعية من أجل بيان «تهافت التهافت».
117
وقد استمرت المعركة بعد ابن رشد في عصر محمد الفاتح في القرن التاسع الهجري للتحكيم بين التهافتين كطرف ثالث بتوجيه منه مما يدل على أهمية العقيدة للدولة، والسلطة الدينية للسلطة السياسية، ربما للانتصار لأحد الفريقين أو لتجاوزهما معا.
118
ومع ذلك لم تستطع ضربة ابن رشد المضادة أن تؤدي الغاية منها، رد الاعتبار إلى الفلسفة وإثبات وحدتها مع الدين ضد سوء فهم الفلسفة وسوء تأويل الدين. ربما لأنه كان قريب العهد بالغزالي بعد قرن من الزمان. وكان الغزالي ما زال مسيطرا على الثقافة والحضارة السياسية، عقائد السلطة للحكام وعقائد الطاعة للمحكومين. وبالرغم من إحساس ابن رشد بالنهاية، وأن التاريخ ينقسم إلى مرحلتين، ما قبله وما بعده، القدماء والمحدثين إلا أن الغلبة كانت للقدماء منذ ابن رشد وربما حتى الآن. فهو كثير الإحالة إلى القدماء، يونان أو مسلمين. لذلك ارتبط بأرسطو آخر قدماء اليونان وأول محدثيهم كما أن ابن رشد آخر قدماء المسلمين وأول محدثيهم.
| خامسا: ابن غيلان، الخازن، القلانسي، الجزري، الفارسي، الكاتب، التيفاشي، الطوسي، شيخ الربوة
(1) ابن غيلان
و«حدوث العالم» لعمر بن علي بن غيلان (القرن السادس الهجري) رد على قدم العالم عند ابن سينا. فالتراكم الفلسفي يحدث في صورة شرح كما هو الحال في الأعمال الرياضية لأبي العلاء بن سهل أو مناظرة مثل مناظرة فخر الدين الرازي والغيلاني أو رد ونقض مثل «تهافت التهافت» لابن رشد ردا «تهافت الفلاسفة» للغزالي، و«حدوث العالم» لابن غيلان ردا على «الحكومة في حجج المثبتين للماضي مبدأ زمانيا» لابن سينا، و«مصارع المصارع» لنصير الدين الطوسي ردا على «مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني. فلم يسلم الفلاسفة من هذه الردود التي ابتدعها المتكلمون مثل «الرد على ابن الراوندي الملحد» للخياط، والفقهاء مثل «الرد على المنطقين» لابن تيمية، بل والأدباء في مناقضات الجرير والفرزدق.