111
لذلك تصور أن أقاويل الفلاسفة من جنس أقاويله، أقاويل جدلية من جنس أقاويل المتكلمين؛ لأنه لا يعرف ماذا يعني البرهان، وأن الخلاف بين أقوال الفلاسفة وأقوال المتكلمين هو في جنس القول، الخلاف بين القول البرهاني والقول الجدلي. لم يكن الغزالي قاضيا بل كان منحازا. انحاز إلى المتكلمين ضد الفلاسفة أي إلى الجدل ضد البرهان. فجاءت أقاويله أقرب إلى التهافت والتناقض. الجدل أقل من البرهان وقصور عن المعاني التي يدركها العقل. وهو أقصى ما وصل إليه الغزالي من برهان. فنفي الكثرة عن العلم الإلهي لا ينفيه عن المعلومات إلا عن طريق الجدل. وأقل من الجدل الأقاويل المشهورة أو المنكرة أو الغريبة، وكلها أقاويل غير برهانية بل إن معظم أقاويل الغزالي سوفسطائية ناتجة عن اشتراك الاسم، وهي أبعد الأقاويل عن البرهان، ولم تصل بعد إلى مرتبة الجدل.
112
وكثيرا ما يستعمل ابن رشد ألفاظا عامة لوصف أقاويل الغزالي بالشناعة والركاكة والسخف والتهافت. ولا يقرأ التشهير إلا الجمهور. وهو محرم عليه الاشتغال بالفلسفة. ولا يكترث به العلماء الذين لا يدركون إلا البرهان. ومن يصرح بالحكمة للجمهور كمن يدس السموم في الأغذية. أقاويل الغزالي كلها شناعة وتشويش للمعلوم وإخراج له إلى غير أهله، تمويه وتهافت، زلل من العلماء يطلب ابن رشد مسامحتهم عليه، إبقاء لحسن الذكر، وعدم حجب الدنيا للآخرة، وعدم شراء الأعلى بالأدنى.
وكثير من تشبيهاته باطلة، وعلله كاذبة، وكلامه مخيل. كلها خرافات وأقاويل ضعيفة من أقاويل المتكلمين، هذيان وكلام مختل قد يكون مقنعا للجمهور ولكنه غير صحيح لأهل البرهان. يشبه علم الخالق بعلم الإنسان ويقيس عليه. عيب أبي حامد طلب الدنيا باسم الآخرة. والسعي إلى السلطة باسم العلم، وكأنه لا بد أن يتوب عن مواقفه اللادينية واللاشرعية واللاأخلاقية.
113
أما من ناحية الموضوع فإن خطأ الفلاسفة لا يستوجب كل هذا الهجوم عليهم والتشنيع بهم بل النصح لهم وحوارهم دون تشهير. يكفيهم فخرا وضع المنطق وإخراجه من كتاب الله كما فعل ابن حزم. كما أن الغزالي يستعمله في الرد على إلهيات الفلاسفة. ولا أحد معصوم في الإلهيات. العصمة للأنبياء وحدهم لعصمة الله لهم. وقد تعني أزلية العالم أو أبديته التاريخ المستمر والخلود في التاريخ والزمان ضد ثنائية الله والعالم عند الأشعرية واستردادا للروح في التاريخ. فالعالم باق كتاريخ قبل الإنسان وبعده، وأن ما يبقى هو فعل الإنسان فيه. وقد يعني إنكار علم الله بالجزئيات أنه لا يعلمها عدا وإحصاء بل يعلم بالقوانين الكلية التي تنتظمها. معرفة القانون هي معرفة بتحققاتها معرفة قبلية مما يقوي فينا المعرفة الشاملة. وقد يعني إنكار حشر الأجساد تأويلا للخلود المعنوي الفكري، خلود الآثار الباقية والأفعال العظمى في الروح وفي التاريخ، توسيعا للمفهوم البدني الفردي إلى المعنى الروحي العام. وقد يعني إثبات قوانين الطبيعة وإنكار المعجزات تأكيدا على دور الإنسان في فهمها وتسخيرها له وثقته بالفعل وبالعلم، ولا تتناسب المسائل العشرون من الناحية الكمية. فأطولها الأولى ثم الثالثة عن قدم العالم ثم الرابعة عشر.
114
ويظهر ابن رشد القاضي في الفصل بين الخصمين والتحقق من صدق القولين إما بين المتكلمين أو بين المتكلمين والفلاسفة. فبالرغم من عدم دفاعه عن المعاد الروحاني إلا أنه لا يستبعده، ولا يكفر القائلين به. وبالرغم من أنه لم ينكر حشر الأجساد إلا أنه لم يدافع عنه، واعتمد على حجة التاريخ والأديان والشرائع إقرارا بواقع وما اتفق عليه العقلاء. يطلب الحق مع أهله، ويستغفر لأبي حامد، ورجل واحد خير من ألف، مستشهدا بجالينوس، بشرط أن يكون من أهل الصناعة. يعطي الغزالي بعض الحق ويتهم الفلاسفة أحيانا للتقريب بين الاثنين. فلا أحد يمتلك الصواب المطلق، ولا أحد يمتلك الحقيقة كلها، ولا أحد على حق والآخر على باطل طول الوقت. يعطي ابن رشد بعض الحق لكل من الفريقين وعدم تخطئة واحد منهما على طول الخط. لا يخطئ ابن رشد أبا حامد في كل شيء وإلا كان قاضيا متحاملا ضده ومنحازا إلى الفلاسفة. ويتفق مع بعض معانداته ضد الفلسفة لأن معانداته صحيحة. يريد ابن رشد معرفة الحق ومرتبة الفلاسفة، وأبو حامد منهم. فالحق هو المقصود الأول في «تهافت التهافت» وليس الانحياز إلى أحد الخصمين. على عكس الغزالي الذي يعترف بأن قصده ليس معرفة الحق بل إبطال أقاويل الفلاسفة. فهو متعصب متحيز غير علمي، فقيه السلطان، بالرغم من أنه عالم كبير، مشهور نبيه، يحظى باحترام الناس. استفاد علمه من كتب الفلاسفة ثم انقلب عليهم. لا يتفق مع العلماء بل مع الأشرار. في حين اجتهد الفلاسفة وبذلوا الوسع وارتياض العقل حتى ولو أخطئوا. تكفيهم صناعة المنطق ويشكرون عليه. وشناعات المتكلمين أكثر من شناعات الفلاسفة. ومن عمل الحكيم ذكر شناعات كل فريق وطلب الحجج من الخصمين وإلا انحاز كما فعل أبو حامد. ويبين ابن رشد الدوافع التي حركت المتكلمين إلى اعتقاداتهم في المبدأ الأول وفي سائر الموجودات، والشكوك التي طرأت لهم، ومبلغ حكمتهم من أجل معرفة الحق والفصل بين المتخاصمين. وينتهى ابن رشد إلى حكم القاضي النهائي، وهو تساوي أقوال المتكلمين مع الفلاسفة من حيث الحق ومن حيث الظن وليس أحدهما أولى من الآخر بالظن أو اليقين.