تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

103

وتتجلى آليات الإبداع في «تهافت التهافت» في مراجعة ابن رشد لأحكام الغزالي على الفلاسفة والتحقق من صدقها ودفاعه عن الفلسفة ضد الهجوم عليها باسم الدين على يد الغزالي ممثل الأشاعرة. كما تم في «مناهج الأدلة» الدفاع عن الكلام ضد تشويهه باسم الفلسفة على يد جمهور الأشاعرة بعد أن تم تقنين العلاقة بين الفلسفة والدين أو بين الحكمة والشريعة، وكلاهما لفظان موروثان في «فصل المقال» هناك علاقة جدلية إذن بين المؤلفات الثلاثة. المعيار في «فصل المقال» وهو التوحيد بين الدين والفلسفة والتطبيق الأول في «مناهج الأدلة»، الهجوم على الكلام الأشعري باسم الفلسفة أي على سوء استخدام العقل في الدين. والتطبيق الثاني في «تهافت التهافت»، الدفاع عن الفلسفة باسم الدين أي على سوء استخدام الدين في الفلسفة. الموضوع في «فصل المقال»، ومركب الموضوع، السلب والإيجاب، في «مناهج الأدلة» سلبا وفي «تهافت التهافت» إيجابا. «فصل المقال» دفاع عن الفلسفة ضد الفقهاء، وجعل النظر واجبا بالشرع. و«مناهج الأدلة» دفاع عن الكلام باسم النظر، و«تهافت التهافت» دفاع عن الفلسفة ضد المهاجمين لها باسم الدين. وكما هاجم الغزالي الفلسفة دفاعا عن الكلام الأشعري في تهافت الفلاسفة هاجم ابن رشد علم الكلام الأشعري في «تهافت التهافت» دفاعا عن الفلسفة. ثلاثية ابن رشد إذن موضوعها واحد، الصلة بين الفلسفة والدين. «فصل المقال» إثبات أن الدين والفلسفة شيء واحد. و«مناهج الأدلة» نقد الإساءة إلى الدين باسم الفلسفة. و«تهافت التهافت» نقد الإساءة إلى الفلسفة باسم الدين. «فصل المقال» إثبات النظرية إيجابا. و«مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت» الدفاع عنها سلبا، ونقد غيابها في تناول الكلام أو في تناول الفلسفة.

الأعمال الثلاثة إذن حوار بين المتكلمين والحكماء، بين الأشاعرة والفلاسفة، أيهما أصدق في التعبير عن وحدة الفلسفة والدين. لقد أساء الأشاعرة فهم الدين في العقائد الأشعرية لأنهم أساءوا فهم الفلسفة ووظيفة العقل . وجعلوا التبرير تبرير العقائد وليس فهمها. وأساءوا فهم الحكمة لأنهم ظنوا أنها ضد الدين وهي دفاع عنه باسم العقل، ووظيفته الفهم لا التبرير، أراد الأشاعرة مخاطبة العامة فبرروا لهم العقائد باسم الإيمان الساذج. وأراد الحكماء مخاطبة الخاصة فأولوا لهم العقائد باسم العقل الصريح. لذلك تتكرر نفس المسائل في «الثلاثية» ولكن على أنحاء مختلفة بطريقة متصلة في «فصل المقال»، ومتصلة منفصلة في «مناهج الأدلة»، ومنقطعة في «تهافت التهافت». ويتوه القارئ، ويمل التكرار. فتختفي البنية الموجودة في الكتابين الآخرين. «تهافت الفلاسفة» نفسه قراءة ل «مقاصد الفلاسفة»، وتهافت التهافت قراءة ل «تهافت الفلاسفة»، مما يجعل القراءة كلها نصا على نص، ويقع الفكر في لعبة النصوص، الانتقاء والتأويل والإخراج عن السياق.

وقد اعتمد ابن رشد في رده على الغزالي على اقتباس فقرة منه، بداية فكرة ثم الرد عليها مسألة مسألة. النقد معتمد على النصوص حتى يسهل تحليلها وكشف زيفها سواء في خطأ الرواية عن الفلاسفة أو في سوء تأويل أقاويلهم أو في التجني عليهم والطعن في إيمانهم. ومن ثم يتعامل ابن رشد مع نص الغزالي على ثلاثة مستويات: (1)

إلى أي حد رواية الغزالي عن الفلاسفة رواية صحيحة (التاريخ)؟ وينتهي إلى أنها روايات غير صحيحة، كاذبة أو مؤولة. وما دام النقل عن الفلاسفة غير صحيح فهو غير ملزم لهم بالرغم من كتاب «مقاصد الفلاسفة». ليس الغزالي من الثقات في الرواية عن الفلاسفة. هو موكل سيئ يقر على موكله بما لم يأذن له فيه. أخطأ الرواية عن الفلاسفة، وأساء تأويل أقاويلهم عمدا أو عن غير عمد. ليس التلبيس في قول الفلاسفة بل في نسبة أقوال لهم ليست بأقوالهم. وذلك مثل ما حكاه عنهم في قولهم بالكثرة دون الوحدة، وبالتعدد دون المبدأ الأول وهو غير صحيح، فلا كثرة في العقول. (2)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٣٧