إلى أي حد فهم الغزالي نص الفلاسفة إذا كانت الرواية صحيحة (الفهم)؟ فإذا كانت الرواية صحيحة يسيء الغزالي فهمها عن عمد لتشويه آراء الفلاسفة عن قصد. (3)
إلى أي حد توجد أخطار على الدين إذا فهم الغزالي نص الفلاسفة (الفعل)؟ وإذا كانت الرواية صحيحة والتأويل صحيحا يدعي الغزالي أن هناك خطرا على الدين من الفلسفة مما يتطلب مراجعة فهمه للدين إذا كان فهمه للفلسفة صحيحا.
كما يقوم ابن رشد بإعادة كتابة نص الغزالي على عدة مستويات: (1)
إعادة عرض دليل الفلاسفة كما يعرضه أبو حامد ولكن بطريقة صحيحة. (2)
إعادة عرض اعتراضات أبي حامد بطريقة واضحة. (3)
الرد على اعتراضات أبي حامد ردا فلسفيا وشرعيا.
ومن ثم أتى نص ابن رشد على عدة مستويات: (1)
نص الفلاسفة الأول (حالة افتراضية)؛ لأن الغزالي لم يأت به نصا. (2)
إعادة تركيب أبي حامد له من أجل تفنيده بعد روايته تشويها للنقل والفهم. (3)
اعتراضات أبي حامد رواية عن ابن رشد بعد فهمها فهما صحيحا. (4)
رد ابن رشد على أبي حامد فلسفيا وشرعيا.
رد ابن رشد إذن رد توثيقي ابتداء من نص أبي حامد، قراءة على قراءة، قراءة ابن رشد على قراءة أبي حامد للفلاسفة. وهو على نفس مستوى رد أبي حامد على الفلاسفة. لذلك يصعب اقتباس نصوص من «تهافت التهافت» مهما كانت القراءة خاضعة مدققة؛ لأنه نص مركب أو «تناص» بلغة النقد المعاصر. انتقل ابن رشد في «تهافت التهافت» إلى أرضية الغزالي كما انتقل الغزالي في «تهافت الفلاسفة» إلى أرضية الفلاسفة بعد «مقاصد الفلاسفة». وكما انتقل ابن رشد من «مناهج الأدلة» إلى أرضية المتكلمين، وفي «فصل المقال» إلى أرضية الأصوليين الفلاسفة، وفي الشروح والملخصات والجوامع إلى الوافد اليوناني، وفي «بداية المجتهد» إلى أرضية الفقهاء، وفي «الكليات» إلى علم الأطباء. يتعامل ابن رشد مع كل علم لتصحيحه وإعادة بنائه وتأسيسه على نحو علمي اعتمادا على العقل والتجربة بعيدا عن سوء استخدام العقل والبرهان باسم الدين أو سوء تأويل الدين باسم العقل.
وقد يقبل ابن رشد عرض الغزالي لحجج الفلاسفة وهو عرض في غاية البيان. ولكنه يرفض أمثلته التي تشوش عليه. يعطيه حقه في الفكر والاعتراض ويعترض على أمثلته الشارحة. يقول أبو حامد شيئا في غاية البيان ثم يضرب المثل فيشوش على القول. لذلك يرفض ابن رشد قياس العالم على الشرع وأخذ المثال الوضعي من الطلاق. كذلك لا يصح في الموجودات قياس الله على العالم. ويضرب الغزالي المثل بعلاقة الله بالعالم عند الفلاسفة بعلاقة الرئيس بالمدينة الفاضلة.
104
وبالإضافة إلى المنهج الجدلي الذي يستعمله ابن رشد ضد الغزالي، البحث عن الحقيقة سلبا عن طريق إيقاع الخصم في التناقض هناك أيضا المنهج البرهاني، البحث عن الحقيقة إيجابا اعتمادا على العقل وطلب اليقين ولجوءا إلى الفطرة السليمة. يعتمد ابن رشد على الذوق السليم وهو مرادف للعقل. فلا يعني العقل والمنطق الاستدلال فقط بل أيضا الحس السليم والفهم المشترك والبداهة. والفطرة هي السبيل إلى معرفة المعروف، مثل حاجة المريض إلى الدواء. ويتصف بها الفلاسفة وهم العلماء والراسخون في العلم الذين اطلعوا على الحقائق بالطريق البرهاني. والقول البرهاني أشبه بالمقدمات الهندسية التي يتسق بعضها مع بعض إن لم تكن لها شهرة الأقاويل الجدلية والإقناعية التي يتضارب بعضها مع بعض. وهما أضعف أنواع الكلام. ويستعمل ابن رشد ضرورة العقل والحس مثل ابن حزم. يزيح الشكوك، ويطلب اليقين، ويبتعد عن المشهور وأقوال الجمهور لأنها بعيدة عن البرهان. ومقدمات الجمهور قد تكون محمودة. ولكن سرعان ما يكتشف العقل أنها من قبل المستحيل مثل الأقاويل عن الخرافات والجن والمعجزات. والفرق بين الظن واليقين أدق من الشعر عند البصر.