99
لا تصدر الأشياء عن الله بالإرادة كما يريد المتكلمون ولا بالطبع كما يريد الفلاسفة إنما على نحو أشرف لا يعلمها إلا الله وكأن السكوت الشرعي علم كما هو الحال في الموقف الظاهري.
100
ولا يتعلق الأمر بالموروث الديني وحده بل أيضا بالموروث اللغوي، تمايزا بين لسان العرب ولسان اليونانيين. فإن كانت المعاني في الفلسفة واحدة بين الشعوب والثقافات فإن اللسان بينها مختلف. وقد أدى ذلك إلى وضع المصطلح الفلسفي سلبا أم إيجابا، تعريبا أم نقلا. لفظ «الأسطقسات» معرب ولفظ عنصر منقول. وقد يتغلب أحيانا المعرب على المنقول، وتدخل الألفاظ الأجنبية في اللسان العربي وتتعرب بكثرة التكرار والألفة مثل جغرافيا وموسيقى وفلسفة وسفسطة. فاللغات ليست عوالم مغلقة بل متداخلة نظرا للتداخل الحضاري بين الشعوب عبر الاتصال والترجمة والتبادل المشترك، ولكل لغة طريقتها في التعبير، تدل على تصورها للعالم وفكرها الذاتي. وقد لاحظ الفارابي ذلك من قبل فيما يتعلق بالرابطة بين الموضوع والمحمول، واستعمال الضمير المنفصل في اللغة العربية كمقابل لفعل الوجود في اليونانية. وكرر ابن سينا ذلك أيضا. وإنما غلطه عندما رأى اسم الجوهر يدل على الصادق في كلام العرب. كذلك وضع المتكلمون ألفاظا تعادل الجوهر والعرض. كما يبدو الأسلوب العربي في «ليت شعري»، «اللهم» من المخزون اللغوي العربي.
101
وتنتهي ثلاثية ابن رشد «فصل المقال» و«مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت» كما بدأت بالإعلان عن البيئة الدينية التي كتبت فيها والتي تكشف عن بؤرة الحضارة ومصدرها ومقصدها وإطارها وجوها، بدءا بالبسملة والحمدلة والصلاة والسلام على الرسول وآله. وقد تكفي البسملة وحدها. وقد تقرن بالدعاء وطلب العون. وقد يكون ذلك مختصرا مطولا مثل الخطب الدينية أو المقالات الوعظية والتركيز على اصطفاء الرسول واصطفاء الله من يشاء لحكمته وشريعته واتباع سنته والاطلاع على مكنون العلم وفهم الوحي ومقصد الرسالة ضد زيغ الزائغين وتحريف المبطلين وتأويل المتأولين لما سكت عنه الشرع على طريقة الفقهاء في دق نواقيس الخطر والتنبيه على الاغتراب الحضاري الذي يؤذن بانطفاء البؤرة وضياع المركز. كما تدعو هذه المقدمات والنهايات، وأحيانا في منتصف الرسالة إلى التوفيق إلى الصواب والإرشاد إلى الحق، والله أعلم بالصواب، وقبول العذر وإقالة العثرة بمنه وكرمه وجوده وفضله. ولما كان التأليف وثيقة فإنه يذكر تاريخها، زمانها ومكانها ومكتبتها ومؤلفها، وطنه ومذهبه ولقبه، والأصل الذي تم النسخ منه، والتعرف على خط الناسخ في الأصل وفي النسخة. فإذا كان التأليف في مصر توصف بأنها المحمية أو المحروسة في العصر الحديث مثل حيدر أباد-الدكن مما يكشف عن طمع الطامعين فيها من الغرب الحديث، ويعبر عن هموم الفكر والوطن. ويكشف تعدد المكان بين المؤلف والناسخ عن وحدة الأمة. ولا يعيب المؤلف أن يكون ناسخا مثل طاش كبرى زادة.
102
كما أن تغير الأسماء من القسطنطينية إلى استامبول يكشف عن العصور والأزمان وقيام الدول وسقوطها وتداول الأيام بين الناس ودورات التاريخ. (4) آليات الإبداع
وتتجلى آليات الإبداع في ثلاثية ابن رشد. يتم وصف مسار الفكر في الماضي والحاضر والمستقبل وبيان مراحله وخطواته الاستدلالية على نحو منطقي، مما يدل على أن ابن رشد يتعامل مع أفعال الفكر وليس صياغات الكلام. وتتم إحالة اللاحق إلى السابق، والسابق إلى اللاحق دليلا على وحدة الموضوع وتصوره. ويحيل الفكر إلى نفسه، من موضع إلى موضع منعا للتطويل والخروج على الموضوع والاستطراد للمقارنة بين الكلام الخطابي والإقناعي مثل «الله إنسان أزلي» وبين الفلسفة البرهانية أو في الشرع وحكمه على الموضوع بالسكوت عنه. ويعني الاستطراد أو «فتح القوسين» أن الحاضر هو الحامل والموجه للماضي، وأنه هو هم الفيلسوف، والماضي مجرد وسيلة وأنه لا بد من الربط بين الوسيلة والغاية. قراءة للتراث، واستمرارا للماضي، وحماية للنفس من قهر السلطة في الحاضر، وتعميقا لفهم الحاضر الذي يقبع الماضي فيه، ومنعا للازدواجية بين الاثنين، وقسمة الثقافة بين السلفية والعلمانية بلغة العصر. وتتم الإحالة إلى باقي المؤلفات والعلوم لبيان وحدة الفكر. ويتم إشراك القارئ في المراجعة والتحقق حتى يكون بينا لكل من اختبر الأمر بنفسه. فالوضوح تجربة ذاتية فردية لا تنتقل عبر وسائل الإيصال بشرط أن يكون شاهدا عدلا وقاضيا منصفا مثل ابن رشد. ويستعمل الأسلوب الإسلامي في الرد على الاعتراض مسبقا بتخيله وافتراضه حرصا على الاتساق في صيغة «فإن قيل ... قلنا»، فالفكر له مراحله الموضوعية، جزء ينتهي إلى جزء، وموضوع يصب في موضوع في خطوات منطقية متتالية. ويظهر الجو الديني أيضا بالرغم من القول البرهاني والخطاب العقلاني.