97
لذلك اختلف الفلاسفة في الصلة بين الله والعالم، بين الإرادة والطبع، بين المباشرة والتوسط. فالأشاعرة والغزالي يقولون بالمباشرة وبالتدخل في العالم بالإرادة. والفلاسفة والمعتزلة خاصة أصحاب الطبائع يقولون بالتوسط عن طريق الأسباب أو الطبع. وهي القوة التي تعطي الحيوان وحدته. وعلى هذا يمكن القول بأن الله خالق كل شيء، ممسكه وحافظه. والخلاف فقط بالإرادة أم بالأسباب. وبهذا المعنى يكون القديم علة للحوادث. ويكون كل ما في العالم بحكمته، وإن قصر العقل في فهمها، وأن الحكمة الطبيعية أساس فهم الحكمة الصناعية. فإن كان العالم مصنوعا في غاية الحكمة فإنه لحكيم صنعه، يفتقر إليه كل شيء في السماوات والأرض. المصنوع ليس علة لنفسه. ويمكن بدعوى تنزيه الخالق إبطال حكمته وسلب صفاته. والخلق والحكمة والعناية موضوعات موجهة لدفاع ابن رشد عن الفلسفة والفلاسفة ضد هجوم أبي حامد. بل إن البعض ذهب إلى حد القول بقدرة الله على اجتماع المتقابلين. فجعلوا الإرادة ضد قوانين العقل كما هي ضد قوانين الطبيعة. لم يأمر الله بالعادات، ولم تنشأ في الموجودات ولكن اكتسبها البشر فأصبحت لديهم طبيعة ثانية.
والكون يخضع لنظام لا يؤثر فيه اضمحلال الأجرام السماوية كما ظن الفلاسفة وأن هذا النظام صدر عن المبدأ الأول، وهو الله، وأنه كما يفعل الملك في المدينة. هذا الأمر الإلهي هو الأصل في التكليف والطاعة اللذين وجبا على الإنسان باعتباره حيوانا ناطقا. وقد فاض الجود الإلهي عليه الحياة والإدراك. ويتم هذا الأمر من خلال المبادئ والقوانين التي تنتظم الكون في سلسلة متتابعة من الأسباب والمسببات. ومن ثم لا فرق بين إرادة الله والكون والعلل والأسباب إلا التوسط. ولقد أخطأ أبو حامد في تزييف العلم الطبيعي بعلم إلهي مزيف أيضا. العلم الطبيعي الصحيح يؤدي إلى العلم الإلهي الصحيح. ويبدو هنا التشكل الكاذب واضحا. فالله هو المبدأ الأول، العلة الأولى، السبب الأول، العقل الأول ... إلخ.
98
ويتوجه ابن رشد بالنقد للتصور الأشعري الذي يجعل علاقة الله بالعالم علاقة إرادة، الأمر بالمأمور، والتي تؤدي إلى إنكار وجود الأسباب والقوى الطبيعية التي بها تتحرك الأشياء والمعقولات والتي بها يستطيع الإنسان فهم العالم، وكأن الله حارس مدينة يلف حولها بآيات متناهية دون الدخول فيها. وهو قول يفترض في الله السكون لا الحركة. والله ليس بمتحرك ولا ساكن، وإن كان لا بد من التفضيل فإنه إلى الحركة أقرب. والحقيقة أنه بالرغم من رغبة ابن رشد في تجاوز التصورين، الإرادة والطبع، إلا أنه إلى الطبع أقرب، وتجاوز المتكلمين والفلاسفة ولكنه إلى الفلاسفة أقرب، وتجاوز الأشاعرة والمعتزلة ولكنه إلى المعتزلة خاصة أصحاب الطبائع أقرب. والعجيب أن يستعمل ابن رشد وهو البرهاني الأمثلة الخطابية الشعبية للشرح والبيان. والصراع بين الإرادة والطبع هو في الحقيقة صراع بين المتكلمين والفلاسفة، بين التشبيه والتنزيه. يثبت المتكلمون الأشاعرة تدخل الله في العالم بالإرادة كما يفعل الملك أو القائد، في حين يرى الفلاسفة هذا التدخل من خلال قوانين الطبيعة وسنن الكون. والحقيقة أن الفلاسفة لا ينفون الإرادة عن الله بل الإرادة المحدثة. هاجم المتكلمون الفلاسفة ظانين أنهم ينفون إرادة الله مع أنهم يتصورون الله إنسانا ويشخصونه كما يتصورون البشر فيجعلون الله إنسانا يسقطون تصورهم لأنفسهم على الله مع أن المعرفتين معرفة الإنسان بنفسه ومعرفته بغيره تقال باشتراك الاسم. والباري منزه عن نقائص البشر أو يصدق عليه الأمران معا مثل معرفته بالجزئيات، يعلمها ولا يعلمها، يعلمها كليا ولا يعلمها تجريبيا بالعدد الإحصاء. علمه بها سابق على وجودها. والحقيقة أن الله لا يفعل طباعا لأن الطباع قسر، ولا إرادة لأنها حركة، وهو منزه عنها. ولهذا وحد البعض بين الباري والموجودات، وتجاوز افتراض الاثنينية.