تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

87

وقد وصف الشرع الله بالسميع والبصير تقريبا للجمهور، والمقصود العلم عند الحكماء، وبالتالي تصور المتكلمون الله باعتباره إنسانا أزليا. ومن ثم يكون الفلاسفة أكثر تنزيها منهم، بالإضافة إلى أن الفلسفة قول برهاني والكلام قول إقناعي. ويبحث الحكماء في أمور الشرع، والشرع متفق مع العقل من حيث المبدأ، ومن ثم يكون طريق المعرفة واحدا. فإن ظهرا مختلفين يؤول الحكماء الشرع ليتفق مع العقل ويصبح أيضا طريق المعرفة واحدا. لا خلاف إذن بين موقف المعتزلة وموقف الحكماء في منهج التأويل. وإن اعتراض الغزالي على الحكماء لا موضع له لأن الصوفية يقومون بالتأويل حتى يتفق الشرع مع الخبرة الصوفية الذاتية.

88

وقد أضاف الحكماء ما لم يتكلم فيه القدماء، باب النبوات والمعجزات. فقد تركها القدماء دون فحص. هي مبادئ الشرائع والباحث فيها معرض للعقوبة كمن يفحص المبادئ العامة التي تقوم عليها الشرائع مثل وجود الله والعمل بالفضائل والسعي نحو السعادة. ومع ذلك فقد جعلوا الوحي والرؤية من الله بتوسط موجود روحاني ليس بجسم، واهب العقل الإنساني. يسميه الحذاق منهم العقل الفعال، وفي الشريعة يسمى ملكا طبقا لعملية التشكل الكاذب. أما تصديق الخواص بالأنبياء فطريق آخر نبه عليه أبو حامد، وهي الصفة الصادرة عن النبي، الإعلام بالغيب ووضع الشرائع الحقة الموافقة للحق والمفيدة من الأعمال التي بها سعادة جميع الناس. فالمعجزات أدلة خارجية على النبوة وليست داخلية. وهي موضوع للعلم الطبيعي وليست موضوعا للشرائع مثل الصلاة والصيام. كانت موجودة في الماضي ولم تعد كذلك بعد استقلال الفكر وحرية الإرادة. ولا عقوبة على الفاحص فيها.

والقول بحشر الأجساد منتشر في كل الشرائع منذ أكثر من ألف عام، منذ عصر ابن رشد بداية من بني إسرائيل بعد موسى، وواضح في الزبور وفي كثير من صحفهم المنسوبة إليهم. وقد تواتر في أقوال عيسى في الإنجيل بالرغم من نفي الصديقيين ومجادلة المسيح لهم. وهو أيضا رأي الصابئة. وهي أقدم الشرائع، الدين الطبيعي القائم على التأمل في الكواكب. والحجة في ذلك سعادة الإنسان في الدنيا بالعمل وفي الآخرة بالنظر، وذلك لا يتأتى إلا بمعرفة الله سواء كانت حجة مقنعة أو غير مقنعة أم مقنعة في الدنيا دون الآخرة. كما أن الشرائع بمعنى الصنائع الضرورية للمدينة وإن اختلفت في صورها تتحدد في قصدها، وهو وجود حياة بعد الموت. وتقصد الشرائع تعليم الجمهور وتنبيه العلماء دون تأويل العامة. ومع ذلك يمثل الدين مرحلة أعلى من الفلسفة في تطور البشرية. فقد تنصر حكماء الروم ثم أسلم حكماء الإسكندرية. وشرائع الوحي والعقل أعلى من شرائع العقل وحده مثل شرائع اليونان والرومان أو شرائع الوحي وحده مثل الشرائع اليهودية والمسيحية. والعجيب أن ابن رشد يرى أن من ينكر الأجساد ويكون زنديقا يجب قتله! يستعمل ابن رشد تواتر الحقائق في تاريخ الأديان وما أصبح حكمه لكل الشعوب، إجماعا للبشرية كلها عبر التاريخ.

89

والعجيب أن ينتهي ابن رشد إلى أن المبادئ التي تقوم عليها الشرائع أمر إلهي معجز، تعجز العقول عن إدراكها مثل هل الله موجود، وهل السعادة موجودة، وهل الفضائل موجودة لأن الشرائع وضعية تقوم على وضعية المصالح العامة. والعجيب أيضا أن يجعل تصديق النبوة بالمعجزات مثل الكتاب ولكن إعجازه ليس عن طريق الرواية بل عن طريق الحس والتجربة إلى يوم القيامة. ومن ثم فاق إعجاز القرآن باقي المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة والعقل والإنسان. أما الخواص فلهم طريق خاص في تصديق الأنبياء. لذلك لم يقتصر الشرع فقط على تعليم الجمهور وتفهيمه هذه الأشياء. ولا يعصم أحدا من الخطأ إلا ما كان مؤيدا من الله مثل الأنبياء. وهنا يبدو ابن رشد تقليديا بل وشيعيا يقول بالعصمة، عصمة الأنبياء، وبالحقيقتين، الأولى للعامة والثانية للخاصة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٣٢