وتبلغ قمة استعمال الموروث في الموروث الأصيل، الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالإضافة إلى أقوال الصحابة ولو أنها أقل من «فصل المقال» و«مناهج الأدلة» سواء كمصادر للبرهان على صحة العقائد أو على تصورات العقائد للعالم والله والإنسان ذاتها.
90
تشير كل الآيات القرآنية إما على طرق البرهان أو نسق العقائد الكلامية، الذات والصفات والأفعال لب علم الكلام أو أقسام الحكمة، المنطق والطبيعيات والإلهيات لب الفلسفة. يستعمل القرآن البرهان للإقناع. لذلك استطاع المتكلمون تحويل الآيات إلى براهين عقلية على وجود الله ووحدانيته وحشر الأجساد. فالآية برهان عقلي وطبيعي. وهذا هو ثباتها في الذهن والواقع. وهي لغة تستعمل في الماضي للدلالة على الحاضر وربط الخبر بالمخبر. وتتضمن الاستعارة من أجل التأثير والإقناع. وتشخص الأشياء في نظرة حيوية إرادية للعالم. الجدار يريد أن ينقض. وقد استعمل الشرع الصورة الفنية لتعليم الجمهور في تفهيم الذات الله وصفاته وأفعاله نظرا لوجودها في الإنسان، قياسا للغائب على الشاهد. أما الخاصة الراسخون في العلم فهم الأقدر على علوم التأويل على طريق البرهان نظرا لفطرهم الفائقة بالرغم من قلتها في الناس. وقد نهى الشرع عن الدخول في الأمور الغامضة وسكت عنها. وما لم يصرح به الشرع يؤمن به كالراسخين في العلم. وقد استعمل ابن رشد حديثين لنفس المعنى، الحث على التفكير في خلق الله وليس في ذاته. وإن بلوغ الجمهور إلى مثل هذا الطلب هو من باب الوسوسة، ومن ثم يؤخذ ذلك بمحض الإيمان.
91
ويستعمل عديد من الآيات أكثر من مرة لنفس المعنى ونفس السياق لوضع تصور ذهني ورؤية للعالم، فالنص والعقل والطبيعة نظام واحد، وتذكر الآية بعد عرض رأي أرسطو العلمي المتفق مع العلم والعقل والطبيعة. يبدو القرآن أكثر إقناعا ووضوحا وأسهل فهما وأعمق تأثيرا وأقرب تعيينا من التجريد والاستدلال والبحث العويص الفهم الأقل وضوحا وتأثيرا والذي لا يفهمه إلا الخاصة من المناطقة والعلماء. القرآن هو البرهان الشامل. والحقيقة أن القرآن يبدو صورة تفرض مضمونها دون تحقيقه ثم يأتي المتكلم أو الفيلسوف أو الصوفي أو الأصولي أو المفسر فيحقق مناطها. وقد تختلف المناطات وتتعدد وتظل البنية التي يتحد فيها الوحي مع العقل والطبيعة واحدة مثل
الأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
الفكرة واحدة والمواضع متعددة.
92
وتصعب التفرقة بين الطبيعيات والإلهيات، بين نظام العالم والقدرة الإلهية والدعوة إلى التأمل والنظر في الخلق لإثبات الخالق. فأقسام الحكمة واحدة، العلم والمعلوم والعالم. ولقد اطلع إبراهيم على الأجرام السماوية فأيقن بوجود الخالق، وخضوع الكون لنظام، كل شيء في وضعه، السماوات والأرض محدثة بل أول المحدثات كما هو ظاهر في الكتاب في غير ما آية، وأن السماء والأرض كانتا رتقا قبل فتقهما. ولما ارتبطت الأسباب بعضها ببعض انتهى الأمر إلى موجود غير محسوس، علة العلل ومبدأ الوجود المحسوس. تتحدث الآيات عن خلق الإنسان من الطين وانتقال الصفات النفسية من موجود إلى موجود مخالف له بالجوهر والحد والاسم والفعل، جمع بين التطور والانكسار، بين التواصل والانقطاع.
93
تتركب الأسطقسات حتى تكون منها النبات ثم الحيوان ثم الإنسان. الحيوان يتغذى بالنبات فيتكون منه دم ومني. ومن المني والدم يتكون حيوان آخر. فالحدوث في القرآن ولكن بألفاظ ومصطلحات وتعبيرات أخرى موروثة وليست وافدة. والخطورة في ذلك ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن حيث يرتبط الثابت بالمتحول، واليقيني بالظني، والدين بالعلم. ثم تأتي الآيات الخاصة بالتوحيد ذات الله وصفاته، علمه وقدرته ووحدانيته. ويذكر ابن رشد الآية التي يثبت بها الأشاعرة الوحدانية عن طريق دليل التمانع. الوحدانية صفة لله وللطبيعة والمجتمع في توحيد شامل، وعلمه محيط وشامل. وهو علم بالشخص وعلم بالكلي أو علم على الإطلاق دون تحديد بالشخص أو بالكلي. وقد نبهت الآيات على عناية الله بالعالم وبالإنسان لتسخير جميع السموات له. الله حافظ لكل شيء، وكل شيء مطيع له بالأمر، والله هو الآمر.