تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

85

والحقيقة أنه لا فرق بين «مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت». فالنظرة الشرعية الفقهية متضمنة داخل الدفاع عن علوم الحكمة. عقول البشر قاصرة. لذلك سكت الشرع عن بعض الأمور وأكملها من عنده. لا يتعرض لها الجمهور بل الحكماء وحدهم. الشرع كالطب له غاية نفعية، وهو مقدار ما يحتاجه الجمهور لنيل سعادتهم في الأمور العملية مثل مقدار ما يحتاجه الطبيب للعلاج وليس للبحث النظري. لذلك نفت الظاهرية القياس في العمليات وهو أفضل من نفيه في الأمور النظرية وكما نبه عليها الشرع. ومن لم يكن من أهل البرهان عليه الإيمان بالشرع والكلام فيه حرام. وإن كان من أهل البرهان دون إيمان يمكن لأهل البرهان حجاجه. هذا هو موقف الشرع بل كل شريعة ، سكوت الشرع عما لا يجب على الجمهور الخوض فيه، ويحق ذلك لأهل البرهان وحدهم. فهل هذا هو الموقف الظاهري الذي كان سائدا بالأندلس أم أنه تعبير عن سطوة الفقهاء وسيطرتهم على الحياة العقلية؟

ويذكر ابن رشد ابن حزم في معرض الدلائل على النبوة. ويرفض نسبة بعض الصنائع إلى الجن أو الأنبياء كما زعم ابن حزم. فابن رشد أكثر عقلانية من ابن حزم. أحكام العقل عند ابن حزم جائزة ويمكن أن يخلق الله صفات مختلفة. كما يستشهد به في القول بأن الصابئة التي تقول بحشر الأجساد من أقدم الشرائع. ومع ذلك فابن حزم بشخصه ليس حاضرا بالقدر الكافي وإن كان حاضرا بظاهريته. وفي نفس الوقت يتحدث ابن رشد عن الظاهرية وأهل الظاهر في سياق شرعي خالص ويستعمل رأيهم في موضوع الطلاق لحظة إطلاق اللفظ دون انتظار الشرط كقياس لإثبات قدم العالم عند الفلاسفة بدليل عدم حدوث العالم مع الله بعد استشهاد الغزالي برأي الأشعرية في تأخير وقوع الطلاق لحين حدوث الشرط بعد إطلاق اللفظ.

86

فعلاقة الطلاق بشرطه احتمال عند أهل الظاهر وضرورة عند الأشاعرة مثل علاقة قدم العالم بدليل عدم حدوثه مع الله. فالبنية واحدة، أفعال الشرع أو أفعال الله. العلاقة بين الإنسان وفعله أو العلاقة بين الله وخلقه. والظاهرية كنفي للقياس قد تكون أسعد حظا في الأمور العملية عنها في الأمور العلمية.

وبالرغم من إدراك ابن رشد أهمية التأويل، والانتقال من الصور الفنية إلى دلالتها، ومن المعاني الحرفية إلى المعاني المجازية، اللوح المحفوظ هو العقل الفعال والعقول المفارقة أو النفوس التي تحرك الأفلاك هي الملائكة إلا أن هذا تأويل الحكماء وليس موقف الشرع الذي يتطلب الطاعة أكثر مما يتطلب البرهان. والحكماء أنفسهم لا يجوزون التكلم أو الجدل في مبادئ الشرائع إلا بأدب شديد. فكل صناعة لها مبادئ يتم التسليم بها دون التعرض لها بنفي أو إبطال. والصناعة العملية الشرعية كذلك تتطلب تمثل الإنسان الفضائل الشرعية من حيث هو إنسان عالم وتقليدها دون المناظرة فيها أو جحدها لأن المناظرة والجدال يبطلان وجود الإنسان لدرجة قتل الزنادقة. مبادئها إلهية تفوق العقول الإنسانية. يتم الاعتراف بها وإن جهلت أسبابها. لذلك لم يتكلم أحد من القدماء في المعجزات بالرغم من انتشارها وظهورها في العالم لأنها مبادئ تثبت الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل. ولا يتم الحديث فيها بعد الموت. فإذا نشأ الإنسان على الفضائل الشرعية كان فاضلا على الإطلاق. فإن استطاع التأويل لمبادئها فإنه لا يجب التصريح به للجمهور. والغريب هذا الموقف الفقهي الصرف لابن رشد وكأنه ابن حزم قبله وابن تيمية بعده. فكيف لا يجوز الكلام في مبادئ الشرع على الإطلاق؟ وإن كان الجدل معيبا منطقيا إلا أنه مفيد في الحوار وإثارة العقول. كيف يجوز التسليم بمبادئ الشرع ولا يتم التساؤل حولها والحكمة فيها بما في ذلك الأمور العملية؟ وكيف يجوز اتهام من يفعل ذلك بالزندقة وإجازة قتله؟ كيف يمكن تقليد الشرائع دون معرفة عللها وأسبابها، والعلة أساس علم الأصول؟ كيف تكون أمور إلهية وهي شرائع وضعية تقوم على رعاية مصالح الناس؟ كيف تفوق الأمور الشرعية العقول والعقل أساس النقل؟ وهل المعجزات أمور شرعية وقد تعرض هو نفسه لها؟ وهل الشرائع تقوم على المعجزات أم على أدلة باطنية، تطابقها مع حياة الناس وتلبيتها حاجاتهم؟ كيف يتفق ذلك كله مع عقلانية ابن رشد؟ صحيح أن الشرائع مبادئ الفضائل ولكنها وسائل والفضائل غايات. وعند الحكماء يمكن معرفة الغايات مباشرة أو بوسائل أخرى.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٣١