تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64

ثم تظهر ألفاظ مقاربة للقدماء مثل الأوائل والمتقدمون الأوائل مثل القدماء ولكن أقل تاريخية وأكثر مثالية. قد يكون القدماء على حق أو على باطل. ومن ثم يمكن نقدهم في حين أن الأوائل حكم قيمة، على حق دائما، لهم الفضل على الأواخر. أما المتقدمون فهم القدماء أو الأوائل ولكن في الموروث وليس في الوافد، الأسبقية في الزمان واقعا دون الفضل في الحكمة مثالا. لا يقول المتقدمون إن لكل فعل فاعل. والفارابي وابن سينا من المتقدمين ولا يقولون ذلك إلا تبعية للمتكلمين من أهل الملة. يريد ابن رشد استقلال الحكمة عن الكلام، والحكماء عن المتكلمين.

65

ثم يخص ابن رشد بالذكر أربعة من الطوائف طبقا للأهمية: الدهرية أو الدهريون والمشاءون والحكماء والسوفسطائيون. ليس الدهريون فقط فرقة بل تيارا، الدهرية، واتجاها فلسفيا. الدهريون في طرف والحكماء في طرف آخر. إذ لا يجوز الحكماء وجود أسباب لا نهاية لها كما يجوزه الدهريون فيستلزم وجود حسيب بلا نسيب، ومتحرك بغير محرك. فيؤدي إلى نفي الصانع، نفي سبب هو سبب الأسباب، وافتراض موجودات لا علة لها أو افتراض علل إلى ما لا نهاية أو افتراض وجود عالم لا علة له أو له علة هو العالم نفسه، الفلك الكلي وليس شيئا خارج الفلك في حين أن الفلك معلول كما يقول الحكماء. كل ما يظهر ليس له سبب ظاهر إلا الحار والبارد والرطب واليابس. وبامتزاج هذه الأسطقسات تحدث الأشياء تبعا لتلك الأمزجة. الزمان عند الدهريين قديم، متقوم بأزمنة محدثة، وحركة قديمة، ودوراته غير متناهية. والمجموع أزلي من غير علة واجب وممكن في نفس الوقت. وهذه صورة الحكماء عند الغزالي في «تهافت الفلاسفة» مع أن موقف الدهريين وليس موقف الحكماء، تشويه مقصود ومتعمد. والحقيقة أن الأمر يتعلق بإنكار أو إثبات بل بالاختيار بين تصورين للعلاقة بين العلة والمعلول، التصور الطولي حيث لا تتسلسل العلاقة ما لا نهاية وضرورة الوصول إلى علة أولى وهو التصور الذي اختاره المتكلمون، والتصور الدائري، لكل معلول علة هي نفسها معلول للعلة، وهي نفسها المعلول كالعلة بين السحاب والماء، السحاب علة الماء والماء علة السحاب، وهو تصور الدهريين الذي يعتمد على الحس. وقد حاول الحكماء الجمع بين التصويرين وعلى رأسهم ابن رشد بالقول بتقدم الزمان وبالتالي قدم الحركة دفاعا عن الحكمة ضد المتكلمين والأشاعرة.

66

وأما المشاءون فهم أتباع أرسطو اليونان أولا والمسلمون ثانيا. يتفقون ويختلفون فيما بينهم. يحسنون فهم أرسطو ويسيئون تأويله أحيانا أخرى كما فعلوا في معنى العقل ومعنى الجسم البسيط. وقد زاد ابن سينا الطين بلة في أنه أخطأ في فهم المشائين وبالتالي في فهم أرسطو. فارتكب في حق أرسطو خطأ مزدوجا. ثم جاء الغزالي فطم الوادي على القرى وأخطأ في فهم المشائين وابن سينا فارتكب خطأ مضاعفا ثلاثا. مهمة ابن رشد تخليص أرسطو من هذه الدوائر الثلاث، سوء فهم المشائين وابن سينا والغزالي له لمعرفة أرسطو الحقيقي. المشاءون هم أتباع أرسطو على وجه العموم يونان ومسلمون. والفلاسفة هم المسلمون فحسب الذين أصابوا وأخطئوا في فهم أرسطو. أما الحكماء فهم المشاءون الفلاسفة، يونان ومسلمين، الذين أصابوا في فهم أرسطو ومنهم الإسكندر وابن رشد. الحكماء هم المشاءون الفلاسفة في الذروة عندما يكون الصواب أكثر من الخطأ ومنهم أرسطو وابن رشد. وهذا لا يمنع من وجود ضعاف الحكماء الذين لا يحسنون التعبير أو البرهان فيضطرون الناس إلى سؤالهم هل المبدأ الأول يعقل ذاته أو يعقل شيئا خارجا عن ذاته؟ هم الذين يتركون الفرصة للمعارض للسؤال دون أن يقدروا على إيصال الحقائق بوضوح اعتمادا على بداءات العقول. لذلك حمل الغزالي عليهم بالرغم من موافقته لهم في أكثر آرائهم، والحكماء هم أهل التأويل كما تنبه عليه كل شريعة، الخاصة من الجمهور. لذلك أسلم الحكماء الذين كانوا يعلمون الناس بالإسكندرية لما وصلتهم شريعة الإسلام بما عرفوا من الحق. كما تنصروا ببلاد الروم لما عرفوا شريعة عيسى. الحكماء في كل ملة أهل الحق والتأويل وأنصار الفضيلة والخير.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٢٧