تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن دور ابن رشد مع التراث الفلسفي اليوناني الإسلامي قبله مثل دور أرسطو في التراث الفلسفي اليوناني قبله. أرسطو مؤرخ وابن رشد مؤرخ. وكان الوعي التاريخي عند كليهما نذيرا بنهاية الحضارة. لقد بحث القدماء في المسائل تفصيليا مثل المحرك والمتحرك، وعرضوا المسائل العويصة، وعبروا عنها بعدة أقوال منها السوفسطائية. ومهمة التراكم الحضاري هو التحول من الأقوال قبل البرهانية إلى الأقوال البرهانية. فالتطور ليس فقط في الموضوع بل في القول. ويلجأ ابن رشد إليهم لأنه لا جديد بلا قديم. والحضارات في سلسلة متتالية، يأخذ اللاحق عن السابق من أجل تجاوزه حتى تكتمل الحقائق ويتحول التطور إلى بناء. ولا يعني ذلك تقليد اللاحق للسابق بل اقتطاف الثمار من الجذور. القدماء في مقابل الفلاسفة وقدماء اليونان قبل فلاسفة الإسلام. الأول للوافد والثاني للموروث.

61

ويتفق ابن رشد ويختلف مع القدماء في موضوع الحكمة وأقسامها الثلاثة: المنطق والطبيعيات والإلهيات. وأحيانا تبدو القسمة وكأنها القسمة الكلامية إلى إلهيات ونبوات أو عقليات وسمعيات. فكلاهما علم واحد، مرة مقلوبا إلى أسفل ومرة إلى أعلى. ونظرا لأن المنطق ليس موضوع خلاف بين العقلاء بقيت الطبيعيات والإلهيات هي محور الخلاف. ولقد وضع القدماء الألفاظ مثل الجوهر والعرض. وحاول المترجمون إيجاد المقابل لها في لسان العرب. فابن رشد يؤصل الحكمة في عصر الترجمة. ويبحث عن أصولها في مبحث الألفاظ كما يفعل الأصوليون. وكانت القضية الرئيسية إلى أي حد توجد الأشياء من تلقاء نفسها دون فاعل أو وجود أسباب لا نهاية لها لا ترتقي إلى سبب أول. وهي قضية في الوافد تأتي في تصور لموروث يقوم على الخلق، وجود الأشياء المتناهية من سبب أول، علة أولى لا متناهية. أما الأوائل من القدماء، وأغلب الظن أنهم الطبيعيون الأوائل، فقد أنكروا الفاعل. وينقدهم ابن رشد لأنه ليس فقط ناقلا لأقوال القدماء بل ناقدا، وممحصا لها. كما يرفض أن تكون الموجودات في سيلان دائم؛ لأنه يلزم ألا تتناهى، وهو محال. وأغلب الظن أنه يقصد هرقليطس. كذلك القول بدورات لا نهاية لها قول فاسد لأنه يستحيل وجود قديمين.

62

ويستمر التفاعل بين الوافد والموروث، بين نظرية القدم ونظرية الخلق في إشارات ابن رشد إلى القدماء في عدة تصورات فلسفية مثل الواحد والكثير وربط الوافد بينهما في حين فصلهما في الموروث. وتظهر بعض مصطلحات علم الكلام باعتباره المخزون النفسي الرئيسي في الموروث. مثل الذات وهل الصفات زائدة عليها أو مساوية لها. فإذا لم تكن الصفة في الذات مثل القوة في الجوهر كان الجرم السماوي بالضرورة جسما ذا كمية. ولا يجوز وجود قسم قديم من ذاته بل من غيره وبالتالي لزم وجود قديم بذاته هو الذي صار به الجسم القديم قديما. لذلك أثبت القدماء موجودا ليس بجسم بل هو مبدأ الكل من أمور متأخرة هي الحركة والزمان والنظر في الموجود بما هو موجود. وقد اتفق القدماء على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وأن العالم كله يؤم إلى غاية واحدة، وينتظمه نظام واحد كما هو الحال في نظام العسكر والمدن، وكذلك الأجرام السماوية الأربعين ترد إلى سبع ثم إلى واحد هو الأمر الأول من الله سبحانه.

63

ويظهر القدماء في موضوع النفس. إذ يطلقون اسم المخيلة على هذه القوة في الحيوان. وفي الإنسان تسمى المفكرة. ثم يظهر موضوع الأدلة على بقاء النفس، ما توصل إليه القدماء وما أبدعه المسلمون. فقد توصل القدماء إلى بقاء الجوهر في الشخص ثابتا بالرغم من تغيره من الميلاد وحتى الوفاة، وأن الأشياء ليست في سيلان دائم، مما جعل أفلاطون يفترض الصور الثابتة. ومن ثم أثبت القدماء المفارقات. ثم يظهر موضوع النبوة والإلهام والمعجزات من الموروث ليصب فيه الوافد مع أنه أصل في الموروث فرع في الوافد. لذلك لم يتكلم أحد من القدماء في المعجزات بالرغم من انتشارها وظهورها في العالم، وهي مبادئ تثبيت الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٢٦