تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

57

وأكثر فلاسفة اليونان ذكرا بعد أرسطو وأفلاطون جالينوس ثم الإسكندر. وجالينوس هو الفيلسوف والطبيب مثل ابن رشد في شخصية الحكيم. يحدد ابن رشد أولا نوع أقواله الإقناعية لا البرهانية، وهي الرؤية المنطقية اللغوية مثل رجل واحد يقول الحق خير من ألف. ثم يتعرض ثانيا لتحليل القوى الطبيعية في الحيوان مثل التغذي وتدبير البدن. وبهذا التدبير يسمى حيا، وبدونه يكون ميتا وبه القوة المصورة. تصورها البعض مبدأ مفارقا، عقلا أو نفسا أو جرما سماويا أو الأول. ويسميها جالينوس الخالق سواء كان الله أو غيره، يرتبط ابن رشد بالتراث العلمي الإنساني منعا لازدواجية مصادر المعرفة بين الوافد والموروث، واعتمادا على سلطة العلماء والإجماع العلمي. كما يستشهد بأبقراط بأن فساد الإنسان وآلامه وحدوثه أنه من شيئين، روح وبدن وليس من شيء واحد. فلو كان روحا فقط، شيئا بسيطا، لما طرأ عليه الحدوث، ولو كان مادة فقط لما تألم.

ويأتي الإسكندر بعد جالينوس. فالإسكندر بالنسبة لأرسطو هو انتقال أكثر تقدما من الكثرة إلى الوحدانية وتصور المشائين لجسم بسيط غير مركب من مادة وصورة تلته وحدانية الإسكندر. لذلك سهل تمثله. هناك إذن ثلاثة طرق: الأول الإسكندر وهي متفقة مع أرسطو (الأصغر). والثاني أرسطو وهو الأكثر شهرة (الأوسط)، والثالث ابن رشد وهو مجمل (الأعم). الطريق إذن من البسيط إلى الواحد إلى الوحدانية. وعند الإسكندر من الواحد صار العالم واحدا. هناك ثورة روحانية سارية في أجزاء العالم كالقوة في أجزاء الحيوان تربط أجزاءه بعضها ببعض. وهي نفس طريقة أرسطو دون الخروج عليها. إنما الأشهر طريقة أرسطو. والأصح طريقة واجب الوجود، طريقة ابن رشد. ويتفق ابن رشد مع الإسكندر ضد ابن سينا في أن الأجرام السماوية ليس بها خيال بل الخيال للحيوان والإنسان.

58

ويذكر ابن رشد فلاسفة يونان آخرين مثل انكساجوراس في معرض ذكر الأجوبة الثلاثة لتفسير خروج الكثرة عن الوحدة، الكثرة من قبل الهيولى وهو رأي انكساجوراس ومن قبل كثرة الآلات أو من قبل المتوسطات. وهو نفس الموضوع الذي تكلم فيه برميندس ومالسيس وأرسطو. رأى ثامسطيوس أن الأجرام السماوية صور. وجعل فيثاغورس المحرك الأول عقلا أي صورة بريئة من الهيولى لا ينفعل بشيء من الموجودات، اقترابا من التوحيد.

59

ويظهر الوعي التاريخي عند ابن رشد قدر ظهوره عند ابن طفيل وذلك بمدى ذكره للقدماء.

60

ويعني اللفظ التراث الماضي الوافد وما سماه الفقهاء الأوائل. وأحيانا يحدث التمايز بينهم. فقد اتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء أخرى، وحدة المذهب في الأصول والاختلافات في الفروع. وأحيانا يتم التخصيص بأنهم الفلاسفة القدماء أو القدماء من الفلاسفة. ولا يعني بالضرورة قول القدماء أي معنى قدحي. فقد استطاعوا البرهنة على مقالاتهم. وفهم القدماء يخضع لشروط الفحص. ويختلف الفحص من حضارة إلى أخرى. ولا بد للإنسان أن يكون من أهل الحق دون تحيز أو هوى حتى يكون حوار الحضارات ممكنا. أما ابن سينا وغيره ممن ينتسبون إلى الإسلام فلم يتبع براهين القدماء خاصة براهين الحكيم الأول مسيئا تأويلها لسوء استخدامها في الدين، فلا هو فهم العقل الوافد وزايد في الوحي الموروث. وهؤلاء هم المتأخرون من أهل الإسلام لقلة تحصيلهم مذهب القدماء، فالقدماء لا يخطئون، ولا الفلاسفة المتقدمون بل المتأخرون لسيادة الأشعرية والتصوف. وتلك أهمية ابن رشد في جرأته على الغزالي والأشعرية وتوجيه الضربة المضادة التي أثرت في الغرب ولم تؤثر في العالم الإسلامي لأن الفكر بلا سياسة لا يؤثر. غاب التنظيم الشعبي المساند وغابت الحركة الحضارية ومسار التاريخ. وربما يكون ابن رشد الآن أكثر دلالة وقدرة على النهضة العربية الثانية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٢٥