تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنجم والشجر يسجدان . فموضوع السؤال ليس بالضرورة الوافد بل يكون الموروث أيضا أو ما ينتج في الوعي الجمعي من حصيلة الجمع بين الوافد والموروث. فالسؤال عن الآخر وعن الأنا، عن لسانهم ولساننا، مع الدعاء بالسداد والتوفيق.

19

السائل يسأل الحكيم فيصبح الحكيم مسئولا. والجواب المختصر القصير أفيد عمليا من الجواب المسهب الطويل. وتكون فرصة الكندي في هذه الدعوات التحرر من الأسلوب الركيك. فيطلق لعواطفه العنان في السجع الأدبي واستعمال المترادفات والصور والتشبيهات التي تختفي تماما في مرحلة النسق المنطقي عند ابن سينا، وتعود في مرحلة المراجعة السلفية عند الغزالي والمراجعة العقلية عند ابن رشد. فالإجابة عن تحديد وقت الدعاء بناء على سؤال. والمسائل عويصة على الروحانيين. وهي مشكلة في الواقع وليست في الوافد، مسألة صعبة على الفلاسفة وعلى غير الفلاسفة، على الفضلاء والأراذل إلا لمن عرفوا الموضوع في الموروث. فالموروث به حل لكل المسائل العويصة.

20

بل إن الموضوعات العلمية الخالصة أيضا كتبت كإجابات على أسئلة. فالسؤال لا يقتصر فقط على الاهتمام العام بل يتعلق أيضا بالاهتمام الخاص مثل السؤال عن علة اللون اللازوردي الذي يظن أنه لون السماء. والإجابة قدر اهتمام السائل وقدرته على الفهم مع الدعوة له بالتوفيق في بداية الرسالة وفي نهايتها. وكذلك السؤال عن الجرم الحامل بطبعه اللون من العناصر الأربعة وهو مركب منها، والإجابة قدر فهم السائل وكأن الإجابة لها مستويات، خاصة وعامة مع الدعاء بالتوفيق. وكذلك السؤال عن الضباب والثلج، وهي ظواهر تسترعي نظر العالم والإنسان العادي لما فيها من حب الاستطلاع، ضباب الصباح، والثلج على قمم الجبال يلاحظها أناس قدموا من الصحراء. والإجابة كافية، لا بالمسهبة ولا بالمخلة. ومع الثلج يكون السؤال عن البرد والرعد والبرق والصواعق القريبة والبعيدة التي قد تكون أسباب وضعها الله في الكون. والإجابة أيضا بحسب موضع السائل من العلم والدعوة له بالتوفيق.

21

ويبدو التأليف المصطنع حتى في الإبداع الفلسفي كما هو الحال في «الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد». فالإبداع في بدايته يبحث عن شكل يستقر في نهايته. والكندي أو المبدعين ما زال يبحث عن شكل الخطاب. فبعد الدعاء والمقدمة عن المنهج والموضوع تبدأ القسمة العقلية له. ثم يتعين. الحديث في الطبيعيات والإلهيات ثم في الحيوان والنبات والعمران. ثم تأتي الخاتمة من المنهج عودا على بدأ، وخاتمة ثانية. فالأقسام متداخلة. وكل قسمة نتيجة للأخرى. ويصعب التمييز بينها إلا على وجه العموم. والرسالة ناقصة لا يوجد بها إلا الفن الأول. ويبدو التأليف المصطنع أيضا في «وحدانية الله وتناهي جرم العالم». إذ تتضمن الرسالة الدعاء ثم السؤال والإجابة. المقدمات الأولى عن المنهج ثم تطبيقاتها لإثبات الموضوع. وقد يقل هذا التأليف المصطنع حتى يمكن اكتشاف الأقسام المتضمنة فيه والتي لم تصل بعد إلى حد البنية، مثل «رسالة الكندي إلى أحمد بن محمد الخراساني في إيضاح تناهي جرم العالم». إذ يمكن التعرف على ثلاثة أقسام الأول الدعاء القصير ثم الحديث عن منهج الفكر الرياضي. والثاني ذكر المصادرات الرياضية الأربعة. والثالث تطبيق البرهان الرياضي في الموضوع الفلسفي وفي البرهان الفلسفي أيضا.

22 (ب) في المعادن والكيمياء

ويبدو إبداع الكندي (252ه) مبكرا في العلوم الطبيعية وفي علم المعادن وفي علم الكيمياء. ففي علم المعادن رسالة «السيوف وأجناسها». وهي رسالة تخلو من الوافد أو الموروث ككونين علميين ولكنها تنظر للواقع تنظيرا مباشرا.

23

ولا تنقسم أبوابا أو فصولا، ولكنها تبدأ بمقدمة عامة عن الحديد الذي تصنع منه السيوف، الحديد والفولاذ وأنواعها العتيق وغير العتيق فالقسمة أولى طرق التعريف.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٦٩