24
وتظهر البيئة الجغرافية التي تشتق منها أسماء السيوف وكلها أسماء محلية مثل فارس وسرنديب على حدود الأوطان وفي قلبها، والكوفة والبصرة وخراسان والمنصورة وخسروان ودمشق ومصر وبغداد. وقد تكون النسبة إلى شخص مثل زيد. وتظهر أسماء الأقوام مثل الروم والشراة والفرنجة. وقد يحال إلى العصور والأزمان مثل الجاهلية. ويظهر الجناح الشرقي فارس والهند قدر ظهور الجناح الغربي، روما والفرنجة وكما تبدأ بأمر مولانا الإمام أن يرسم أوصاف السيوف بقول يعم أجناسها تنتهي بالدعوة له بطول العمر والبقاء.
25
وفي علم الكيمياء كتب الكندي رسالة ثانية «فيما يطرح على الحديد والسيوف فلا تتثلم ولا تكل».
26
والموضوع عربي أصيل منذ الشعر العربي قبل الإسلام في مجتمع قبلي محارب، وإسلامي فاتح. ومنهج الكندي الكيمياء العملية وما وقعت له من معاناة في الموضوع. فالكيمياء ممارسة عملية أكثر منها بحثا نظريا. فالرسالة في صناعة السيوف بحيث لا تتلم ولا تتأكل ابتداء من برادة الحديد وسقاياتها، وآلات قطع السيوف والزجاج. كما تقوم على منهج القسمة مثل قسمة الحديد إلى لونين، ذكر وأنثى ثم انقسام الذكر إلى قسمين، والأنثى إلى قسمين، فالمنطق آلة للعلم والعقل مدخل إلى الطبيعة.
وتخلو الرسالة من الأبواب والفصول. إنما تبدأ كثر من الفقرات بتعبير «نوع آخر» طالما أن الرسالة في أنواع الحديد والسيوف. والقليل «باب آخر» «أو كلاهما» باب «نوع آخر» أو «آخر» فحسب، وتظهر البيئة المحلية في اشتقاق الأسماء مثل الفرس والحجاز وسرنديب. وقد تختلف الأسماء والمسمى واحد. وتظهر البيئة الشرقية الهندية مثل برادة الزماهن وصفة السيوف الهندية. والأسلوب لم يستقر بعد من ناحية التأليف العربي كما هو معروف في خطاب الكندي. والرسالة موجهة إلى المعتصم أمير المؤمنين والدعوة له «أدام الله تعالى عزك، وحرس أيامك». وتظهر العبارات الإيمانية خلال الرسالة مثل «إن شاء الله تعالى»، في آخر كثير من الفقرات. وتنتهي بالصلاة على محمد وآله وسلم. (2) الإبداع الطبي
ويتركز الإبداع العملي في الإبداع الطبي أكثر من باقي العلوم الطبيعية كالطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان والمعادن. وقد بلغت شهرة الطب العربي الآفاق. والعلم جزء من الفلسفة والعلماء هم الفلاسفة.
27
ولم تكن الفلسفة علما مجردا بل كانت تجارب حية للفلاسفة الذين كتبوا سيرة ذاتية تعبر عن مسارهم الفلسفة أو كتبها تلاميذهم نيابة عنهم.
28
وبالرغم من أن التأليف كان أقرب إلى الجمع ثم الإضافة، وضع الأدبيات السابقة مع الموضوع، فتاريخ العلم جزء من العلم، إلا أن الإبداع العلمي واضح يتجاوز الوافد والموروث المشخص في أسماء الأعلام والمصنفات إلى الحديث عن القدماء أو المتقدمين. ليس العلم آخر مرحلة فيه بل هو تاريخه أيضا لمعرفة تطور العلم ومراحله. فلعل أزمة العلم في عصر تجد حلا لها في تاريخه.
29
الجديد يخرج من القديم ويتجاوزه ولا ينقطع معه ويناقضه. وهو نمط تطور الوحي ومراحله، المسيحية من اليهودية والإسلام من المسيحية، نموذج التواصل والانقطاع في آن واحد. لذلك ضم الطب العربي طب الإغريق وطب باقي الشعوب مع طب العرب. (أ) الرازي
وبالرغم من دخول «الحاوي» و«المنصوري» في أشكال التأليف الأخرى إلا أن «تقرير الرازي حول الزكام المزمن عند تفتح الورد» للرازي (251-313ه) يمثل نموذجا للإبداع الخالص في الطب. يخلو من الوافد والموروث على حد سواء.
30
ويأخذ شكل السؤال والجواب، وهو شكل التأليف الفقهي كما هو معروف في أحكام السؤال والجواب في علم أصول الفقه، وأسلوب القرآن في الإجابة على أسئلة في صيغة
ويسألونك عن ...
والتي عرفت بمصطلح أسباب النزول. فهو تقرير وضعه الرازي لمعالجة أبي زيد البلخي (236-322ه) أستاذه الذي كان يعاني من الزكام. وانتهى الرازي إلى اكتشاف الطب الجغرافي، طب الفصول الأربعة وطب النباتات أي طب البيئة. ولا يضم من العبارات الدينية في البداية والنهاية أكثر من البسملة والحمدلة والصلاة على خير خلقه محمد المصطفى وآله وصحبه. (ب) ابن سينا