تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

وموضوع النبوات وإثباتها موضوع كلامي، والروحانيات والكواكب والطب واستحضار الأرواح موضوعات موروثة. ورسالة واحدة تستشهد بآية قرآنية، وأخرى تذكر الله عز وجل. فموضوعات الرسائل ثلاث كلها موروثة: كلامية وفرق وروحانيات.

13

وفي معظم الرسائل الفلسفية لا توجد آيات قرآنية إلا في ثمانية منها في السؤال عن معنى

والنجم والشجر يسجدان . والثانية داخل رسالة عن كمية كتب أرسطوطاليس. فالغاية إذن ليس أرسطو بل التوجه القرآني. أرسطو مجرد مادة. المهم هو التصور الإسلامي في النص.

14

ويمكن تصنيف كل مؤلفات الكندي في سبعة عشر علما أو موضوعا لا تزيد العلوم الفلسفية بالمعنى الدقيق، الفلسفية والمنطقية والجدليات والنفسانيات والسياسيات والتقدميات على ربع المؤلفات، والثلاثة أرباع الأخرى كلها في العلوم الرياضية والطبيعية . بل إن المؤلفات الفلسفية بالمعنى الدقيق لا تنفصل عن المؤلفات العلمية، وتبدو مرتبطة بالطبيعيات وبالحس وبالرياضيات والصناعة، كما أن الكتب المنطقية مرتبطة بالصناعة وبالطبيعيات وبالأصوات.

15

وبعض الموضوعات العلمية ترتبط ببعض الموضوعات الفلسفية بالمعنى العام مثل التشابه بين رئيس البدن ورئيس المدينة في الطبيات، والرد على المنانية، والجدل في الفلكيات، وبعض موضوعات الأخلاق مثل الوفاء في الأنواعيات (الكيمياء).

16

والغالب على مؤلفات الكندي النزعة العقلية وكأن الفلسفة بدأت علمية عقلية، وأن الإشراقيات طارئة عليها ومتأخرة عنها. من حيث الكم أكثرها الرياضيات والفلكيات ثم الكيمياء ثم الفلسفة ثم الطبيعيات والجغرافيا والجدليات. وأقلها النفسانيات والتقدميات ثم السياسيات.

وقد قام الكندي بكل هذا التأليف دون شرح أو تلخيص أو جوامع كما فعل ابن رشد فيما بعد من أجل تمثل الوافد واستيعابه. كانت معرفته به مباشرة من الترجمة وربما كان هو مترجما. كانت الترجمة جديدة لا تحتاج إلى شرح أو تصحيح فهم من سوء تأويل الشراح كما شعر ابن رشد الحاجة إلى ذلك فيما بعد. وربما لأنه كان عالما يفكر على معطيات العلم، ويتأمل في الظواهر الطبيعية مباشرة دون توسط النصوص الوافدة أو الموروثة على عكس الفارابي الذي كان يعرض الوافد، وابن سينا الذي كان ينسق الوافد وينظر الموروث. كان الفيلسوف ذا ثقافتين، وافدة وموروثة. يتلقى الموروث أولا كما تلقى الكندي علوم القرآن والدين والكلام ثم اللغة والأدب ثم الوافد، العلوم الدخيلة، مثل الفلسفة. وكان على علم باللغات السريانية واليونانية. كان أعلم أهل زمانه بأرسطو. وكان العصر يساعد على ذلك، الحرية التي أباحها الخلفاء مثل المأمون، وإباحة الكلام، وامتزاج الأديان وثقافات الشعوب. وبالرغم من أن التأليف في موضوعات الثقافة الوافدة إلا أنه يمثل قمة الاحتواء بعد أن قام العرض والتأليف بتطويع المادة العلمية.

ومعظم الرسائل الإبداعية العلمية الخالصة إنما تنبت أيضا ردا على أسئلة من الواقع وليس تبعية للوافد كما هو الحال في رسالة «في مائية ما لا يمكن أن يكون لا نهاية له». والإجابة طبقا لقدرة المسائل على النظر والفهم، وتكرار السؤال والجواب في المقدمة والخاتمة مع الدعوة للسائل بالسداد والتوفيق. وهي نفس الطريقة التي اتبعها الفارابي في «المسائل المتفرقة» وابن سينا في «الإجابة على أسئلة البيروني والسهلي». وكانت رسالة «الإبانة عن أي جرم الفلك لا يقبل شيئا من الكيفيات الأولى» بناء على سؤال.

17

وفي باقي المؤلفات المفقودة هناك عشرات رسائل من هذا النوع، السؤال والجواب، في الرياضيات والطبيعيات والمنطق أي في المسائل العلمية وليس في المسائل العملية كما هو الحال في الفقه.

18

ويبرز هذا النوع الأدبي، السؤال والجواب، في الإبداع الفلسفي، في السؤال عن العلة الفاعلة القريبة، وعن وحدانية الله أو عن معنى آية

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٦٨