77
لا يعتمد على الوافد أو الموروث بل يراجع التراث العلمي كله حول الموضوع، وينقد جميع الآراء السابقة ويبين بطلانها بالتجربة دون تشخيص لها في أسماء أعلام أو أسماء فرق ومذاهب. فقد نقلت في الموضوع آراء ستة كلها خاطئة، أولا: أن هذا الأثر الظاهر في وجه القمر هو نفس جرم القمر شفافا أو خشنا، ثانيا: أنه خارج عن جرم القمر ومتوسط بين الجرم والبصر، ثالثا: أنه صورة تظهر بالانعكاس على سطح القمر الصورة الأرض، رابعا: أنه صورة البحار في الأرض بالانعكاس، خامسا: أنه صورة الجبال في الأرض بالانعكاس، سادسا: أنه صورة قطعة من الأرض بالانعكاس. وكل هذه الآراء تتأرجح بين الوجود الموضوعي للظاهرة، الرأيان الأول والثاني، والوجود الذاتي لها، صورة انعكاسية في البصر، الآراء الأربعة الأخيرة. وابن الهيثم من أنصار الوجود الموضوعي للظاهر وهو عالم الإبصار.
78
ويبرهن على ذلك بالدليل. لذلك تكثر أفعال البيان والدليل، ويتحدث بضمير المتكلم فهو الذي يبحث ويتحقق ويحكم، يطور العلم ويكمله. وتقل الإيمانيات إلى أقصى حد لا تتجاوز البسملة والحمدلة.
79 (ب) نصر بن عبد الله المهندس
وفي رسالة «في استخراج سمت القبلة» لنصر بن عبد الله المهندس يغيب الوافد والموروث ويتضح الدافع على الإبداع الخالص.
80
وهو واقع عملي وليس مجرد حب استطلاع نظري. وهو البحث عن سمت القبلة واتجاه الكعبة لبناء المساجد. لذلك ارتبط الفلك بالهندسة، ووسيلة ذلك إيجاد طريقة سهلة والبحث عن وسائل عملية وبرهان قصير.
81
وتقل العبارات الإيمانية. تكفي البسملة والحمدلة والصلاة على النبي والدعوة بالتوفيق للصواب. وتنتهي الرسالة كوثيقة شرعية، تاريخ النقل ومكانه، ومقابلة خط الناسخ مع الخط الأصلي. (4) الموسيقى
كانت الموسيقى ضمن علوم الحكمة، ألف فيها الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجه. (أ) ابن باجه
ويتمثل الإبداع الموسيقي عند ابن باجه (531ه) في «من كلامه رضي الله عنه في الألحان».
82
كانت الموسيقى من الموضوعات الرئيسية في الأندلس مثلها في البصرة وبغداد وإستانبول فيما بعد. المهم عند ابن باجه هو الربط بين النغم التأليفية والأفلاك، الألحان في الإنسان والألحان في الطبيعة، النغم في النفس والنغم في الكون. والسؤال هو: هل تدخل الموسيقى في العلوم الرياضية باعتبارها تحليلا للذبذبات أم في العلوم الإنسانية باعتبارها تذوقا للأنغام والمقامات؟ (ب) صفي الدين الأرموي
وفي «كتاب الأدوار في الموسيقى» لصفي الدين عبد المؤمن بن أبي المفاخر الأرموي البغدادي (693ه) يغيب الوافد والموروث معا ويتم تأسيس الأنغام والأدوار بحثا عن الأسباب في التناغم والتناظر من داخل الصوت وليس اعتمادا على الأدبيات المنقولة عن القدماء.
83
تكثر التقسيمات والرسوم الرياضية من أجل إيجاد البراهين الداخلية في الموسيقى كعلم. ومع ذلك يحضر الموروث الشرقي في اللاوعي المعرفي خاصة الموروث الفارسي في المصطلحات الموسيقية مثل الرست والنهفث والبوسليك والنوروز والزنكولة والزير افكند والراهوبي والبزيك والكواشت التي تبلغ حوالي نصف المصطلحات. كما تظهر أسماء المدن المحلية كمصدر ثان المصطلحات مثل عراق، أصفهان، نهاوند والحجازين أو أسماء أعلام مثل الحسيني أو أسماء عربية خالصة مثل عشاق ونوى ومحير وعزال. كما يستعمل الشعر العربي كشواهد. فالشعر موسيقى الكلمات، والموسيقى شعر الأصوات. الموسيقى علم رياضي وعلم صرفي في آن واحد. ويتألف الكتاب من خمسة عشر فصلا في النغم والدساتين ونسب الأبعاد وأسباب التنافر والتلائم ونسب الأدوار وطبقاتها والإيقاع والمشهور منها، وأحكام الأوتار واستخراج الأدوار منها مع قدرة على وضع مصطلحات عربية رياضية مثل الثقيل والخفيف وخفيف الثقيل، والرمل وخفيف الرمل والهزج. وثقل العبارات الإيمانية إلى الحد الأدنى باستثناء البسملة ومدح الله ثم التحول كالعادة إلى مدح السلطان.